المقاييس الأدبية :-
الحياة لا تُحد فلا تُكال بصاع ولا تُقاس بذراع غير أننا نقيس منها ما يحده عقلنا الصغير بالنسبة لحاجاتنا الجسدية والروحية وما تلك إلا حيلة نوفق بها بين مداركنا المحدودة والحياة التي لا تُحد ونُسَهِّل بها سبيلنا في عالم أوله آخره وآخره أوله فقد جعلنا من الحياة خريطة نحن محورها وحددنا نسبتنا إلى كل مح وغير محسوس بمقاييس وهمية دعتنا إليها الحاجة هكذا لقد جَزَّأَنا الزمان والزمان لا يتجزأ وقسمنا المسافة والمسافة لا تنقسم ووزنا الأشياء ووزن الأشياء لا يُحَدُّ فَقِسنَا الزمان بالثانية والمسافة بالقيراط والوزن بالحبة إن هذه المقاييس وسواها من نوعها وإن تكن وهمية هي خير ما توصلت إليه الإنسانية من السبل لإيجاد صلة ثابتة بينها وبين عالم هي بعض منه ولولاها لما كان عظیم فرق بيننا وبين أوراق تنتزعها الريح عن الأغصان وتُصَفِّقُها كيف شاءت وحيث هَبَّت ومن حسنات هذه المقاييس أنها ثابتة لا تتقلب بتـقـلـب الفصول والعصور فهي وإن تنوعت بتنوع الأمم والأمصار تتنوع من حيث شكلها الخارجي لا من حيث جوهرها غير أن نسبتنا إلى العالم لا تنتهي عند الزمان من حيث طوله وقصره ولا عند الأشياء من حيث بعدها وقُربها وعُلُوها وانخفاضها وثقلها وخفتها بل هناك نسبة تتعدى كل هذه الأمور وهي نسبتنا إلى كل ما في العالم أو نسبة كل ما في العالم إلينا من حيث قيمته وإن جاز لي ذلك دعوتها النسبة الـقـيـمـيـة فللزمـان في حياتنا قيمة وللمكان قيمة وللأشياء بأنواعها قيمة أو ثمن بل إن لكل شيء قيمتين مادية وروحية أما القيمة المادية فنقيسها بحسب حاجاتنا الجسدية وأما الروحية فبحسب حاجاتنا الروحية لكن مقاييسنا القيمية ليست ثابتة مثل مقاييس الزمان والمسافة والوزن بل هي تتكيف بالزمان والمكان وبدرجة رقينا المادي والروحي لقد قلت إن لكل شيء قيمتين روحية ومادية لكن في الحياة ما ليس له إلا قيمة روحية من ذلك الفنون ومن ذلك الأدب فكيف نحدد قيمة الأدب ماذا نقيس هذه القصيدة أو تلك المقالة أو القصة أو الرواية أمن حيث طولها أم قصرها أم تنسيقها أم معناها أم موضوعها أم نفعها أم بإقبال الناس عليها وبعدد طبعاتها أم يستحيل قياسها بمقياس واحد ثابت لأن تقديرها موقوف على ذوق القارئ والأذواق تختلف باختلاف الناس والأعصار والأمصار إذا صح أن مقاييسنا القيمية ومنها مقاييسنا الأدبية ليست سوى أزياء تتبدل بتبدل الأيام والأماكن والأذواق والمدارك فما النفع من جَهْدنا وجدنا فى التمييز بين الأمور والفصل ما بين غثها وسمينها أولسنا صارفين هَمَّنا سُدى كلما حاولنا أن نفرق بين الجميل والقبيح والنافع والضار والخطأ والصحيح فمن ذا يكفل لنا أن ما ندعوه اليوم جميلاً ونافعاً وصحيحاً لا يصبح في الغد قبيحاً وضاراً وفاسداً أوليس في الأدب من أزياء لا تعتق مع الزمان ولا تزيدها الأيام إلا جمالاً وهيبة ها نحن نردد اليوم بعض أبيات من قصائد يقتال إنها عُلّقت على باب الكعبة قبل الإسلام ونعيد سواها من قصائد لأبي العلاء وابن الفارض ولعشرات سواهم فما السر في هذه الأبيات التي كلما طال عليها الدهر تجددت لذتها إذا كان في الأدب من آثار خالدة ة ففي خلودها برهان على أن في الأدب ما يتعدى الزمان والمكان وجَلِي أَنَّ المقاييس التي نقيس بها مثل هذه الآثار لا تتقيد بعصر ولا تتعلق بمصر في الأدب إذن مقاييس ثابتة تتجاوز الزمان والمكان ولا تعبث بها أمواج الحياة المتقلبة وأذواق العالم المتضاربة وأزياء البشرية المُتَبَدِّلة فما هي هذه المقاييس قلنا إنَّ قيمة الأمور الروحية إنما تقاس بالنسبة إلى حاجاتنا الروحية غير أنَّ من هذه الحاجات ما هو مقيد بالفرد أو بالأمة وأحوالها الزمانية والمكانية وهذه تتقلب وتتغير ومنها ما هو مشترك بين كل الأفراد والأمم في كل العصور والأمكنة وهذه الحاجات هي المقاييس الثابتة التي يجب أن تقاس بها قيمة الأدب فإن حددناها حددنا مقاييسنا الأدبية وتمكنا من أن نعطي كل أثر أدبي حقه أما هذه الحاجات المشتركة فقد لا يسعني ولا يسع سواي الإحاطة بهاض غير أني سأحاول أن أذكر منها ما هو في اعتقادي أهمها أولا حاجتنا إلى الإفصاح عن كل ما ينتابنا من العوامل النفسية من رجاء ويأس وفوز وفشل وإيمان وشك وحب وكره ولذة وألم وحزن وفرح وخوف وطمأنينة وكل ما يتراوح بين أقصى هذه العوامل وأدناها من الانفعالات والتأثرات ثانياً حاجتنا إلى نور نهتدي به في الحياة وليس مـن نـور نـهـتـدي بـه غـيـر نـور الحقيقة حقيقة ما في أنفسنا وحقيقة ما في العالم من حولنا فنحن وإن اختلف فهمنا عن الحقيقة لسنا ننكر أنَّ في الحياة ما كان حقيقة من عهد آدم ولا يزال حقيقة حتى اليوم وسيبقى حقيقة حتى آخر الدهر ثالثاً حاجتنا إلى الجميل في كل شيء ففي الروح عطش لا ينطفئ إلى الجمال وكل ما فيه مظهر من مظاهر الجمال فإنّا وإن تضاربت أذواقنا فيما نحسبه قبيحاً من الأصوات المتنافرة وتأنس وتنبسط بما تألف منها لا يمكننا التعامي عن أنَّ في الحياة جمالاً مطلقاً لا يختلف فيه ذوقان رابعاً حاجتنا إلى الموسيقى ففي الروح ميل عجيب إلى الأصوات والألحان لا ندرك كنهه فهي تهتز لقصف الرعد ولخرير الماء ولحفيف الأوراق ولكنها تنكمش هذه بعض حاجاتنا الروحية إن لم تكن أهمها وهي معنا في كل حين فهي وإن تنوعت في الناس بتنوع الأفراد والشعوب والأزمنة والأقطار لا تتنوع بجوهرها بل بدرجات شدّتها وقوة شعورنا بها وهي المقاييس الثابتة التي يجب أن نقيس بها الأدب فتكون قيمته بمقدار ما يَسُدُّ من بعض هذه الحاجات أو كلها ويكون أثمنه أجلاه بياناً وأغناه حقيقة وأطلاه رونقاً وأشجاه وقعاً إنَّ المفردات اللغة التي نصوغ منها منثوراتنا ومنظوماتنا صفات عجيبة وميزات غريبة فلكل كلمة معنى أو روح ولكل كلمة رنَّة ولكل كلمة صبغة أو لون والمجيد من الكتاب والشعراء مَنْ إذا شاء الإفصاح عن عاطفة أو فكر جمع بين مفردات ومن اندماج ألوانها صورة واضحة جميلة ومن يتولد من ارتباط معانيها معنى جَلِي تألف رناتها لحن رقيق شجي من غير أنَّ من الكتاب والشعراء من لا يرون في الألفاظ إلا مـعـانـيـهـا فـهـؤلاء قـد يفصحون عن عاطفة أو فكر إنما يجيء إفصاحهم عارياً من الجمال خالياً الموسيقى ومنهم من لا يرون في الألفاظ غير ألوانها فهؤلاء قد يرسمون صورة طلية لكنها تأتي مجردة من الحياة ومنهم من لا يرون في الألفاظ سوى رناتها فيؤلفون ألحاناً رقيقة إنما لا جمال فيها ولا بيان فقيمة ما يكتبه وينظمه هؤلاء تقاس بقدر ما يَسُدُّه من هذه الحاجة أو تلك من حاجاتنا الروحية لكن منهم من جمع إلى دقة الإفصاح جمال التركيب فآثار هؤلاء تقاس بحاجتين ومنهم من ضم إلى دقة الإفصاح وجمال التركيب عذوبة الرنة فآثار هؤلاء تقاس بثلاث حاجات ومنهم وهم قليل من جمع بين دقة الإفصاح وجمال التركيب وعذوبة الوقع وحلاوة الحقيقة فقيمة ما يكتبه أو ينظمه هؤلاء لا تكاد تُحد ولابد لي هنا من كلمة عن مقاييسنا العربية بنوع خاص فبلاؤنا ليس بغياب المقاييس لدينا ولكن لعدم وجود من يحسن استعمال هذه المقاييس وتطبيق الأدب عليها فمن سوء طالعنا أننا وكلنا شؤوننا الأدبية إلى جرائدنا ومجلاتنا في الغالب وهي تقيس الأدب بعدد مشتركيها ومناصريها وأعمدتها وحقولها ومن كان ذاك شأنه فحاجاته الروحية معدودة محدودة فَأَنَّى له أن يقيس حاجات أمة أو أمم وإذا قاسها فبحاجاته وحسب إنَّ حاجتنا ليست إلى مقاييس أدبية ثابتة فهي وافرة لدينا إنما الحاجة إلى مَنْ يحسنون استعمال هذه المقاييس لا سيما في دورنا الحالي لأنه دور انتقال حاجتنا إلى شعراء وكتاب يقيسون ما ينظمون ويكتبون بهذه المقاييس فيسيرون وتسير معهم آدابنا في الصراط القويم وإلى ناقدين مُمَحْصين يميزون بين غث الأدب وسمينه لست أدري كيف تُزهر آدابنا وتثمر مادامت مقاييسها في أيد لا تعرف من الأدب كُوعَه من بوعه ولا أعلم كيف وصلنا إلى هذا الحد من الهبوط وعندنا من الآثار الأدبية ما لو قيست بأدق المقاييس لكان راجحاً فلا يحسبون الأصداف دُرَراً ولا الحُباحب كواكب.