سبق أن رأينا أن أسلوب القرآن الكريم قد أثار من بين ما أثاره دهر محمد صلى الله عليه وسلم أسئلة تستفسر الفرق بينه وبين الأصناف الأدبية، ففي أصل هذا الفرق يمكن تعيين أهم التساؤلات المرتبطة على نحو بدهي بالوعي للشعر، ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه، ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، حيث كل الخصائص النوعية الفارقة حاضرة في كل مقابلة تسمح بها مبدئياً وإمكانية تحديد الاختلاف بين طبيعة القرآن وماهية لونه التعبيري، وبين طبيعة الشعر وماهية لونه التعبيري، وكان لهاجس التمايز بين القديم والحديث، والوعي الشفاهي بأسباب التباين الذي ينخرط ابتداء في سياق الجدل الحضوري المسند إلى علاقة تربط أشعر الناس بجودة اللفظ، وحسن المعاني، واطراد المراد، واستواء الكلام، والعائدة في مجملها إلى توظيف ناجح أو فاشل لطريقة في الاحتذاء أو التوليد والاختراع، سبب في الاعتقاد في إدراج حكم القيمة التي تتضمنها مثل عبارة لقد تقدم صاحبكم في هذا المعنى جميع من سبقه على كثرة القول فيه وفي سلسلة من النصوص الشعرية التي تبين عن عدة مستويات من التسنين، والأمر كما يقول جاك دوبوا بسنن اللغة قبل كل شيء كما يتعلق بحالة محددة تاريخيا لهذه اللغة، وكم يتحكم فيها بسنن بلاغية نوعية بل إنه على ذلك من التسنين للوازم انكشاف أدبيته بما في ذلك انتماؤه إلى صنف أدبي، ثم هو مسنن في الأخير بالنسبة إلى علاقته بالترسيمات الأيديولوجية الكبرى، وبالأشكال الدالة التي تفسر وتنقل هذه الترسيمات.
ومن البين أن جاك دوبوا يتجه إلى أن تكون دراسة النص الأدبي متوزعة المستويات، وهي دراسة يمكن إرجاعها في حال التنظير البلاغي للشعر إلى كثير من المقاربات التي حاولت أن تستكنه نسب التناص وأصله وامتداده فهذه المقاربات تتناول الشواهد الشعرية على مستويات عدة، وبصورة متصلة بالسنن المتحكمة فيها وفي شعريتها وعلى ضوء قوانين شعريه لا محيد عنها لكل مقاربة، وهي في مجموعها تحاول أن تقدم تصورات عن القصيدة الشعرية التراثية على أنها صورة مكتملة ناضجة قبل عصر الثقافة الكتابية، وأن سماتها البلاغية المميزة لها هي سمات يتم التحكم فيها حسب قوانين أعمال شعرية كبرى تكون في الاحتمال سابقة على نقادها، وهي تسبق أي تفكيك يمكن أن يصل إليه ناقدنا.
يتحدث ابن قتيبة عن القصيدة بوصفها بناء له وظيفة بلاغية من طريق تداخلات شكل التعبير وشكل المحتوى عناصرها مستقاة من التقاليد الشعرية التي يشتغل في إطارها بناء النموذج، وقال أبو محمد وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق ليجعل ذلك سببا لذكر أهلها الطاعنين عنها إذا كان نازل العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدر ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكا شدة الوجد وألم الفراق فإذا استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، وعقب بأيجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشكا النصب والسهر، وسرى الليل وحر الهجير، وانضاء الراحلة والبعير، فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير وبدأ في المديح، فبعثه على المكافأة وهزه للسماح وفضله على الأشباه وصغر في قدره الجزيل.
فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب بين هذه الأقسام فلم يجعل واحدا منها أغلب على الشعر، ولم يطل فيه على السامعين، ولم يقطع وبالنفوس ظماً إلى المزيد، وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام وتحيل القصيدة بوصفها بناء له وظيفة بلاغية إلى نسق دال يتم فصلاته إلى:
1- أغراض ومعان: في حال الفعل النظري لا يستطيع القارئ أن يلجأ بسهولة إلى نصوص ابن قتيبة لكشف المستور من أشكال الأساليب الشعرية، ومع ذلك يمكننا من الناحية التطبيقية أن نبتكر نسقاً من التفكير يجعل من الارتباط بين هذه الأقسام أمراً ممكنا، فهو أمر تسوغه خصائص القصيدة ذاتها، وفي الحالة التي كانت عليه، هناك ثلاث حجج على الأقل تبيح إمكانية هذا التصنيف العلمي:
الحجه الأولى: تعود إلى خصائص شكلية ومضمونية، وهي خصائص منهج العلم بها قدامة عبر قسمة حدها: قسم ينسب إلى عروضه ووزنه، وقسم ينسب إلى علم قوافيه ومقاطعه، وقسم ينسب إلى علم غريبه ولغته، وقسم ينسب إلى علم معانيه والمقصد به وقسم ينسب إلى جيده ورديئه، وتختزل هذه القسمة ترسيمة استقرائية لعلم بالشعر مستنبطة من خصائصه الشكلية والدلالية الفارقة حيث ترى أن الغرض بكونه عملية مشاركة في التجربة نفسها هو مفهوم شامل يوحد المادة اللغوية للعمل الأدبي، فالعمل الأدبي ككل يمكن أن يكون له غرض معين، وفي نفس الوقت فإن كل جزء من أجزائه يتوفر على غرضه الخاص.
ويتلخص تفكيك أجزائه عند ابن قتيبة في عزل كل جزء من القصيدة يختص بوحدة غرضية نوعية، ويبدأ هذا العزل من الغرض الخاص بذكر الديار، وما يصحبه من فصل طبيعي بينه وبين غرض النسيب ثم الرحيل إلى الممدوح فالمديح ويهدف التوصيل بين أجزاء العمل إلى تأثير أحد أغراض القصيدة في المجال الذي يعيش فيه الشاعر المتلقي الحقيقي أو المفترض بحيث تتأثر بقية المجالات، وتحدث في الغرض التالي تجربة تشبه التجربة التي هدف الشاعر من توصيلها في الغرض الأول غرض عليه إلى حد كبير غرض سابقه، ومن الواضح أن تصميم الأغراض على هذا النهج في التوصيل، يهدف إلى تحقيق نتيجتين هما
النتيجة الأولى: تكون حركة التأليف مقودة بصورة نهائية بوساطة لائحة من الأغراض المتسلسلة تدعم درجة متعالية من التوصيل والتأثير تزيد وتنقص تبعا لاقتراب أو ابتعاد المخطط العام للأغراض في القصيدة المنتجة عن ذات المخطط المفترض في القصيدة الأنموذجية.
النتيجة الثانية: من الواضح أن ترتيب أجزاء القصيدة، وهو ترتيب يتم بوساطة المواضعة التي تتحكم في تأليفها، وتضبط مراحلها وسير حركتها نحو الاكتمال النهائي للمديح غير أن هذه المواضعة لا تشكل القصيدة إنها تنظمها وتضع لها حدود، فهي ليست مادة بل رابط، ومن ثم ليس بالإمكان إذن البحث داخل القصيدة عن بنية أو إيجاد حجج عدم وجودها.
عند هذه النقطة من التخطيط النمطي للقصيدة الشعرية التقليدية تسمح لنا إعادة بناء نص ابن قتيبة إدعاء تفطنه لمخطط بناء لم يذكره صراحة وهو مفهوم الحافز المسند إلى الدراسات المقارنة، وفيها تسمى حافزا الوحدة الغرضية التي توجد في أعمال مختلفة مثلاً، الإنذار، والإعذار، والترهيب، والترغيب، والإصلاح بين القبائل على مستوى القصيدة الطويلة، والمحاضرات والتمثيل على مستوى القصيدة القصيرة، إن هذه الحوافز تنتقل كلية من خطاطة غرضية إلى أخرى، ولا تهتم الشعرية التراثية إلا بالتجارب شديدة التشبه في ظروف محددة داخل الغرض الواحد ذلك أنه من المؤكد أن الغرض هو العنصر الجوهري في التمييز وبالتالي فإن الظروف نفسها التي تحفز الإلهام تلعب دوراً أساسياً.
إن التعديل بين الأقسام هو تعديل قار إلى حد كبير ويبقى صالحاً للتداول في سياق دينامية خطوة مصاحبة هي خطوة قدرة تمييز جيد الشعر من رديئه وتتمثل في تحديد المادة الشعرية التي يمكن أن يتعاورها الحكم بالجودة والرداءة، ويتم ذلك عن طريق الحد أو التعريف الذي يقوم على الفصل فيصبح الحد أو تعريف جامعاً مانعاً للمادة.
الحجة الثانية: يتحول الارتباط في ثانيتها بين العلاقة التناصية والقول بفرادة القصيدة الشعرية إلى قضية غير مستقلة عن البناء البلاغي الكلي للنص فلهذا البناء رسالة ضمنية مقصود بها التأثير، ولذا يتعين أن يصدر فهمنا وتحليلنا للنص أساسا من فرضية بلاغية، وأضف إلى ذلك أن أي مدخل لدراسة القصيدة بوصفها بناء له وظيفة بلاغية يجب أن يتعامل مع الأسس الشعرية المشتركة الخاصة بالأشكال والأنواع الأدبية الأخرى الصادرة عن الضرورة البلاغية لمجرد وجود أوجه للمقارنة تفرض نفسها على الدراسة، وهكذا فإن كل دراسة لوظيفة القصيدة، وشكلها برصفها شعرا يلقى على سامعيه إلقاء غرض وهذا هو نوع الشعر الذي يعنيه ابن قتيبة لابد أن يؤدي بنا إلى التوصل إلى تنظيرات ذات سمات مشتركة تبنى أساساً على الشكل مع الأبنية الأخرى التي تعتمد الغرض وكالخطبة والرسالة، وإذا اقتصرنا على التلميحات السريعة التي يمكن العثور عليها في نص ابن قتيبة السابق، فإن التأكيد على عدم السماح المتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام، وهو تأكيد يشير إلى شيء عن اللغة الواصفة واللغة الشعرية التي يجب أن تهيمن على أسلوب القصيدة الشعرية اللاحقة، وتحتكم هذه الهيمنة في حال أشكال القصيدة إلى حد يحترز في إطاره عن كل ما من شأنه أن يخلخل التداولي والسائد في العرف والتقاليد الموروثة، ويتطلب هذا الاحتراز كشرط لاصق بالتقيد برصيد من الألفاظ يقرأ بوساطته الغرض الشعري ويفهم من خلاله ويقع التأثير عبره على التالي
١. أكد النقاد الوحدة الحميمية بين نوعية الألفاظ ومعاني الغرض الشعري ومن هنا جاءت قسمتهم لها في الاستعمال إلى جزلة ورقيقة ولكل منها موضع يحسن الاستعمال فيه، فالجزل منها يستعمل في مواقع تواريخ التهديد والتخويف وأشباه ذلك، أما الرقيق منها فيستعمل في وصف الأشواق، وذكر الأحباب وأيام العباد واستجلاب المودات وملاينات الاستعطاف وأشباه ذلك، وإن المقولات الأساسية لمعاني ألفاظ الغرض الشعري تبقى ثابتة والفرق بينهما يشبه الفرق بين قيمتين اجتماعيتين وثقافيتين مختلفتين ويمكننا إعادة ترتيب حدوده أو افتراضه انطلاقاً من العلامات الحاضرة في المادة الدالة، وبصيغة أخرى فإن هذه العمليات هي دائماً متضمنة ويتم استعادتها انطلاقاً من العلامات المسجلة على مستوى معاني غرض معروض للفهم والتداول والتأثير.
٢. توضح وظائف الألفاظ متراصة داخل خطاب الغرض كثير السمات المشتركة داخل مبدأ المشابهة حيث التأكيد نفسه على شكل من التجربة يتم اكتسابها أساساً من التجارب الماضية، وإن أعظم الصور قيمة هي الصور التي تذهب في اتجاه إعطاء قيمة مركزية لتجربة الغرض الشعري باعتبارها معطاة قبلياً لفهم الظاهرة الشعرية إذا تقاس قيمة صور المدح مثلاً بقدر نزوعها إلى تشبيه الممدوح في الجود بالغيث والبحر وفي الإقدام بالأسد وفي المضاء بالسيف وفي العزم بالسيل وفي الحسن بالسيل، وبقية الأوصاف قياس ما يلي
أ. الغرض الشعري فضاء مغلق، ومعنى ذلك أن الشاعر يتكلم من وراء أعمال شعرية هي كما يقول بورجاس في معرض حديثه عن الأعمال الأدبية، من صنع مؤلف واحد غير زمني وغير معروف.
ب. يأخذ تاريخ الغرض الشعري بعدان سكونياً يتمثل في كون العلاقات النصية حافظت على البنيات الكبرى للنص، ومارست نوعاً معيناً من العلاقة مع النصوص السابقة الشيء الذي يجعل قوانين التحول ساكنة وشبه ثابتة.
غير أن قياس العلاقة بين ركني التشبيه بهذه الدقة المتناهية من الوضوح قد يجعله لا يستوعب الجدل الدائر حول التفاوت الشعري كما يوحي عدم تضمنه التمييز بين المعنى الحرفي والمعنى الخيالي ضمن أهمية تذكر، ومع ذلك فإن التأكيد على إمكانية إعادة إنتاج المعنى المتداول المشهور، والمعاني المشتركة بين الناس التي هي جارية في عاداتهم ومستعملة في أمثالهم، والمعنى المتقدم المبتذل وجار كالمثل على ألسنتهم، والتشبيهات المتداولة وتثبيت الطريقة المتبعة في التشبيه، والنهج القاصد في التمثيل عند القدماء والمحدثين هو تأكيد يضمن استمرارية توصيل القصيدة وتأثيرها من جهة، ثم الاختيار المرتبط بالبحث عن نوايا الشاعر وعن مقصد الشاهد الشعري أو الشواهد الشعرية المتضمن داخل الغرض الشعري من جهة ثانية، وأن هذا التأكيد يكتسب قيمة إضافية إذا تم النظر إليه من زاوية التقابل بين قصيدة وأخرى باعتباره تقابلاً يجيز الافتراض في كون واحدة منهما أبلغ في التوصيل والتأثير من أخرى.