يتحدد الفهم عند أبي تمام باعتباره سبيل وصل ماض شفاهي بحاضر كتابي يتوقف ترتيب شروطه الذوقية والمعرفية عن طريق إقامة نوع من التعارض بين طريقته الشعرية وبين الطريقة المألوف والمعهود في شعر سابقيه ومعاصريه، ولهذا التعارض مصدران اثنان هما:
- يختص أولهما بقدرة كفاءة لغوية نوعية ومعرفة دقيقة بأيام العرب وأخبارها وأمثالها، وهو يستعمل هذا كثيراً في الشعر ويقصده ويطلبه ويعرف فيه، وآفته عند قوم لا يفهمون محاسنه فيعادونه والأحمق عدو ما جهل.
- ويتعلق ثانيهما بقدرة فائقة على تذوق النصوص اللغوية المثالية، وتتعزز هذه القدرة من طريق وصل معرفة ببلاغة شعر استوفت آثار مقروءة سلفاً من جانبين:
أولاً: لأنها تقوم على وجهة نظر في العلاقة بين خصائص القارئ وطريقة في الاختيار عند أبي تمام، فإذا أخذنا بقول العمري فالاختيار هو عمل الذات المتخيّرة مع النصوص، وبقوله أن صاحب الاختيار يعمم مقولات مثل الاستعارة والتجنيس والطباق والتشبيه وينفي النصوص التي لا تحتوي هذه المقولات عندئذ يكون قول عبدالله الطيب عن أبي تمام لقد كانت له مقدرة خارقة على تمييز الشعر الجيد من الشعر غير الجيد حتى إن بعضهم يحتكمون إليه لقد كان من هذه الناحية ناقد تطبيقي قول يفي على وجه اليقين وصف طريقة في القراءة تتضمن بالضرورة خضوع صاحبها لفعالية النص المختار بحسب ما يمارسه في ذهنه من إثارة كانت سبب اختياره وفي السياق نفسه إذا اعتبرنا الناقد المتقدم زمنا هو الذي اختار عندك مثلا الجاحظ الذي دون لنا طريقة النقاد المتقدمين زمنا وحاول أن يختار الكلام الجيد والاختيار، كما قلنا مسألة حكم ومسألة دربة ومسألة ذوق أي في تحويله إلى حكم قيمة جمالي، ومنحه درجة من الأصالة في الطريقة والمنهج فقد كان اختيار أبي تمام يمثل بامتياز درجة من التفاوت في مواضع اهتمام أصحاب الاختيارات دهره، فهو يحيل القارئ على نمط اشتغال بلاغة شعرية فارقة وقضيت العجب كيف وقع الإجماع من النقاد على أنه لم يتفق في اختيار المقطعات أنقى مما جمعه وفي اختيار المقصدات أوفى مما دونه المفضل ونقده، وفي جميع الحالات فإن اختيار المقطعات والقصائد المناسبة لدرجة عالية من الجودة، هو الذي يجعل من التحقق والإدمان على الدرس والألفة واللذة ممارسة ممكنة لدرجة غير متناهية من الفهم.
ومن هنا فإن توسيع الفهم من هذه الزاوية يساوي توسيع الخارج القصدي للفعل الكلامي بكل ما فيه من بني متعددة الأبعاد، ويبلغ هذا التوسع حداً من الجدرية بحيث أنه يتطلب أن نفترض نوعاً من المزاوجة بين الموضوع والصورة لشيء كما يقول الباقلاني يرجع إليها في أنفسها على نحو بالغ الإيجابية، لا بوصفها ممارسة شعرية تجديدية في حركة التأليف بالاختيار وحسب بل بوصفها أيضاً شرطاً ضرورياً للفهم وعند هذه النقطة تتحد إمكانات اختيار مع استجابة النقاد العرب القدامى لها وتأثيرها فيهم قبل بعد أن تعطي أعطت البلاغة العربية قوانينها الخاصة بها في صورة كما كتب العمري تفاعلية أو تفعيلية بين الشكل والمضمون من جهة وبين المكونات الشعرية المختلفة من جهة ثانية.
ثانياً: وإذا تركنا جانبا هذا المستوى من الاختيار وهو مستوى يحدد مسار الفهم ويعمقه، فسيكون بإمكاننا التمييز بين مستويين من تموضع شعر أبي تمام في ملتقى نصوص شعرية كثيرة:
١- مستوى يتخذ الموهبة الشعرية الفردية منطلقا لخلق درجة متعالية من الاقتدار البلاغي لتشمل كثيرا من البلاغة الشعرية فرادة في توظيف اللغة أسهمت في جعل أبي تمام مبتدئ لمذهب سلكه كل محسن بعده فلم يبلغه فيه حتى قيل: مذهب الطائي، وربما كان هذا المذهب مثلا لأكثر المذاهب الشعرية ندرة، وهو المذهب الذي لم تفسده التحيزات الشعرية بعد كل هذا الميل نحو الشعرية التراثية، والذي حدث أن شاعرا مثل عمارة بن عقيل وهو من شعراء البدو وكان بصيرا بصنعة الشعر ونقده، واستطاع أن يكتشف كنه التشابه بين شعر أبي تمام وشعر من سبقه من الشعراء، وأنه يحقق تأثيرا يشبه التأثير الذي حقق رضا الذوق المفتن بالشعرية التراثية.
٢- مستوى يقترن ببعض التشبيهات والاستعارات والطباق التي كانت موضع الإفاضة في الحديث عن انقطاع صلة شعر أبي تمام بحسن قديم.
فهناك أولا صور شعرية قابلة للجدل في أية قراءة تحاول أن تربط بين مكوناتها ووظيفتها وقد أنهى تأمل أكثر التغيرات التي طرأت على طبيعة هذه العلاقة، والتي قد تعزى في معظمها إلى شعر أبي تمام إلى توسيع الفجوة بين أحكام القيمة الذاتية وأحكام القيمة الموضوعية، لسببين رئيسين:
١- القرابة على مستوى البنية والوظيفة التي تحكم بين صور أبي تمام وشبهها من قبل ومن بعد، والتي ولدت درجة هذه الفجوة، وهذا هو الدليل هنا اتفاق داخل القراءة العمودية للشعر على عدم استساغة إفراط أبي نواس في طلب البديع والإغراق فيه، ومع ذلك فإن المقارنات التي تمت بوساطتها صياغة أسباب كراهيتها له أو نفورها نحوه، لا يمكن أن تقال في بديع أبي نواس أو بشار وشبههما، كما تقال في بديع أبي تمام، ذلك أن التشدد في تمجيد استعارات الماضي على شاكلة بعض ما وجده ابن المعتز في القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، كلام الصحابة، والأعراب وغيرهم، وأشعار المتقدمين من الكلام الذي سماه المحدثون بديعا تقابله صعوبة في قياس شعر أبي تمام على درجة شاعر ذي شعر رديء، وطريقة القراءة العمودية للشعر لا تركز إلا على شواهد شعرية تحاول من خلالها أن تبين في جانب منها مفارقتها للخصائص الشعرية الموروثة، هذا على ما في بقية الشواهد الشعرية وهي كثيرة من جودة ومن متعة وإعجاب لدى طبقة من القراء متميزة الثقافة الشعرية فقد عد هؤلاء القراء شعر أبي تمام قمة تصاعد هذا المذهب بكل محاسنه ومساوئه وكما أطلقوا على هذا المذهب طريقة المحدثين، وأطلقوا على نتائجه صفة البديع، وهي صفة تعني الصياغة على غير مثال سابق، فتنطوي على المفارقة، لأنها تشير إلى الأولوية في الوجود، والمخالفة للمعهود، وكأن البديع من هذه الزاوية وصف لنتاج المحدثين على نحو يقارب بين صيغتي اسم المفعول في المبدع و المحدث من حيث أن كليهما وصف لنتاج يمثل ابتداعه، وإحداثه خروجا على ما هو ثابت، ومخالفة لما هو قديم.
٢- لا تتناول القراءة العمودية للشعر استعارات أبي تمام كنموذج أو أمثلة عن تاريخية التمفصل الإبداعي للشعر وللمعرفة به، بل تكتفي بحصر مجمل لنوع منها الغرض أن يشمل العملية الشعرية في كليتها في لحظة تاريخية محددة، والتدليل به على مغايرته للمألوف من الأثر الشعري، ومحاولة القبض على دلالته بالمواصفات الذوقية والمعرفية المعهودة، وهذه القراءة تفعل ذلك حين تقف إزاء شواهد شعرية جعل فيها أبو تمام للدهر أخدعا، ويدا تقطع من الزند، وكأنه يصرع ويحل، ويشرق بالكرام ويبتسم، وأن الأيام تنزله، والزمان أبلق، وجعل للمدح يدا، ولقصائده مزامر إلا أنها لا تنفخ ولا تزمر، وجعل المعرف مسلما تارة ومرتدا أخرى، والحادث وغدا، وجذب ندى الممدوح بزعمه جذبة حتى خر صريعا بين أيدي قصائده، وجعل المجد ما يحقد عليه الحرف، وأن له جسدا وكبدا، وجعل الصروف النوى قدا، وللأمن فرشا، وظن أن الغيث كان دهرا حائكا، وجعل للأيام ظهرا يركب، والليالي كأنها عوارك، والزمان كأنه صب عليه ماء، والفرس كأنه ابن الزمان الأبلق مثل هذه الاستعارات هي الأكثر إثارة للجدل بين الفهم وسوئه، وأن تتبع شبهها يمكن أن يضع بين أيدينا ذوقا ومعرفة في قراءة استعارات يصر الأمدي على عدها في غاية القباحة والهجانة والبعد من الصواب، ولعل هذه الأوصاف السالبة من بعض جوانبها أقرب إلى طبيعة المواقف الجاهزة أو المختزنة منها إلى القراءة المنهجية والمحايدة، فنحن نجد فيها نغمة الاستجابة الجاهزة إلى ضد هذه داخل محفوظ في الذاكرة من أشعار القدماء مختار مؤول ينتج اختياره وتأويله نموذجا أصيلا لماض مصنوع متخيل محله ذهن الناقد وليس الواقع التجريبي، وتتحرك العملية الذهنية للناقد بمجرد الاستماع إلى الشعر المحدث، أو قراءته فتقوم بمعايرة تأويلية قد يعيها الناقد أو لا يعيها لكن إطارها المرجعي دائما هو هذا النموذج الأعلى المصنوع والمتخيل الذي تتحرك معه العملية النقدية إلى شعيرة من شعائر عبادة الأسلاف، أو دورة من دورات قص الأثر وإذا تجاوب المسموع الجديد، والمحفوظ القديم كان الشعر جيدا، وإلا فالشعر رديء لابد من رفضه يتضمن هذا النوع من الاختيار والتأويل وصفا بالسالب على على صعيد مسار - س1 - س2 بكامله، وما دعاه جابر عصفور قبل قليل بالنموذج الأعلى ليس بالوصف الذي يتعلق بمجمل الاستعارات التراثية، بل هو في حقيقته فصل تام بين توظيفين للتعالق بين طرفي الصورة الاستعارية، وقد أصبح مفهوما التفسير والتأويل اللذين يحظى لديهما مسار س1 س2 بشرف الوصف الموجب بامتياز، سبيل محاولة تقعيد يفترض قبلا حداً للفهم يتصور العلاقة بين الدال الإستعاري ومدلوله انطلاقا من وضوح الصلة وقربها بين المداخل المعجمية للكلمة ووظيفتها الإيحائية من ذلك مثلاً ما حاول أن يفهمنا به الأمدي من قول شائم الدهر.
ولما رأيت الدهر وعراً سبيله وأبدى لنا ظَهْراً أَجَبُّ مُسلَّما ومعرفة حصاء غير مقاضة عليهِ وَلَوْنَا ذَا عَثانِينَ أَجْمَعا وجبهة قرد كالشراك ضليلة وصغَرَ خَدَيْهِ وَأَنْفَا مُجَدِّعا أنه جعل للدهر أجب، ومعرفة حصاء ولوناً ذا عثانين، وشبه جبهته بجبهة قرد، وجعل أنفه أنها مجدعا يولد هذا المستوى من القراءة دلالة تأخذ في الإمكان استخداما مجازيا يحاول أن يقف بها في حدود المعنى الحرفي للكلمات، وهي تصلح لتثبيت ميل لرؤية شبهها كصور باهتة، لأنه يدخلها تعميما في باب التلمح في هجاء الدهر، والإتيان به هازنا، والمسألة الهامة بالنسبة إليه هو أن القارئ الذي يلج باب هذه الاستعارات وشبهها سيكتشف أن هذه الصور ليست مما يعتمد ويجعل أصلا يحتذى عليه ويستكثر منه.
إن أقوى اعتراض يمكن لفهم أبي تمام أن يوجهه إلى قراءة الآمدي، هو أن لدى شائم الدهر قدرة خفية على التفطن إلى حلقات من المعاني لا نحسب أن القراءة العمودية تسمح بالتوسع فيها إن أصالة الصورة التراثية كما هي عليه في شعر الطبقة الأولى من عصر ما قبل الإسلام ستظل هي ذاتها مجال الصور الأخرى داخل العصر ذاته وخارجه وعندما توظف صور جديدة من قبل أعرابي يشهد له بتوليد درجة من الكثافة توافق ذلك المزاح هجاء واستهزاء الذي حول خيال شاعر إلى داخل الدهر بحثا عن مواساة لا يجدها في العالم الخارجي، فإن الآمدي سيحاول من نوعيتها لكونها أشياء مفصولة عن السياق، وأنها ليست منضدة في خيط من الإدراك البدوي، وأنها لم تكن مشدودة بروابط القرب والوضوح، وأنها أخيرا لا يمكن أن تدرك بسهولة، ولا يمكن القبض عليها بالوصفات الذوقية والمعرفية المعهودة.
تؤدي طريقة في النظر إلى المداخل المعجمية في منطوق استعارات شائم الدهر إلى تعليق مبدأ وضوح الدلالة فمثل هذا في كلامهم قليل جداً لميلها إلى تفضيل بعض الترابطات على حساب أخرى، فهي تعطي الانطباع بأن الاقترانات محكمة بشكل خيالي، وأنها تخلق مطابقة جزئية وربما عارضة إلا أنها تعبر عن حضور استجابة الذات استجابة حسية، وإن الاستعارة هي انطباعية تركيبية وإنها شعر كما أنها خلاقة، وعلة هذا الحضور الحسي ما يلي: إن العلاقات بين طرفي الصورة في مثل استعارات شائم الدهر لا يمكن في درجات من القوة أن توصف في حدود دلالية تسمح بالتناسب الواقعي بين الطرفين وحدهما وقد اتضح لهانس أدائك أنه توجد درجات في القوة الإستعارية، ومن هنا كان تمييزه بين الاستعارات التفسيرية والاستعارات العاطفية وتلك الاستعارات التي تتوفر على هاتين الخاصتين في الآن نفسه وأهم فرق بين الاستعارتين ما تؤسسه تجاه درجات القوة القائمة في الاستعارة العاطفية على مشابهة القيمة، وتقوم في الاستعارة التفسيرية على مشابهة واقعية.
وهكذا يمكن أن يكون لكلمة الدهر دلالتان تبرز الدلالة الأولى ما يقع على بعض الدهر الأطول ويقع على الدنيا كلها، وتوحي بإحساس الرعب الذي يبعثه وضعه موضع جالب الحوادث لاشتهاره عند العرب بذلك، ويتأسس المدخلان المعجميان على مشابهة قيمية وأخرى عاطفية ويعلن في تفصيل مبدأ المشابهة الذي يعالق بين الدهر ودلائل حسية نوع من التداخل والتلاحم بين صفات بعير مقطوع السنام وذهب عنه منبت عرفه من الناصية إلى المنسج، له شعيرات طوال تحت الحنك متجعد الوجه وانعقدت أطرافه، وانقطعت مناديم أنفه إلى أقصاه، وبناء عليه تتشكل هذه الاستعارات في وحدات دلالية يقوم التماسك بينها والتآلف في دخول هذه الأوصاف الواقعية مع وصف يتجاوب في التحام السلب مع وسم السنة الشديدة تذهب بكل شيء كأنها مجدعة، ويقوم هذا التماسك أيضاً في تجاوب إيحاءات هذه هذه الدلالات مع مشابهة قيمية تبين عنها تصاريف الدهر ونوائبه، وأخرى عاطفية من حيث إن كلمة دهر تثير في الآن نفسه انطباع امتداد الزمن وطوله، وإحساسا بثقل الحوادث والنوازل التي تنزل بالإنسان من موت وهرم.
وهناك ثانياً الطبيعة العميقة للاستعارة التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تسهم في خلق أزمة إبداعية، وإنما يمكن أن تسهم في خلق ما أسماه ل، جيني بقلق التأثيرات وإن فكرة التأثير التي سبق لنا توضـ توضيح بعضا منه تبين لنا أن التغلغل في الحداثة الشعرية يستدعي على حد تعبير لجيني أيضا ميل الشاعر نحو تغيير النماذج وفق حذاقة واحتراف شعريين لهما قدرة التعبير عن مجاملة مختلفة في حق الموروث الشعري، بدرجة تضمن التخلص جزئيا من شبح الأب، وقد أخذت القراءة القراءة العمودية جانب الحيطة من درجة من التعمق في مثل قول أبي تمام: رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه بكفيك ما ماريت في أنه برد بل وذهب الآمدي في استهزائه بمثل هذا التوسع حد القول بأن هذا هو الذي أضحك الناس منذ سمعوه إلى هذا الوقت.