أولاً : إلى تغيير في آخر كلمة من القصيده اتجاه حذف الخبن ما سقط ثانية الساكن، والطي ما سقط رابعه الساكن، ولو روي البيت بوساطة هذين الحذفين لما استقام الوزن لأن القطع لا يدخل على الرخي التام في تفعيلة الضرب، وهو ما يبين عنه تقطيعه العروضي.
ثانياً : وإذا ثبت إمكانية توثيق الشاهد الشعري عن طريق استبدال كلمة الخضعة بكلمة الخيضعة لانتظام الأطراد الصوتي للوزن كما هو عليه في قول الشاعر
ونحن خير عامر بن صعصعة، نحن بنو أم البنين الأربعة.
فيترتب عن ذلك؟
أولاً : إكساب متوالية الحركه والسكون طابعاً كمياً يجعلها مسؤولة عن كثافة التنويعات التي تسم التناسب في الوزن داخل الشاهد الشعري.
ثانياً : يضمر هذا التغيير ضيق أفق الرواية، وهو يمص مجال معرفة شعريه يتم تحصيلها من طريقه في الإبداع الشعري يتمثلها الشاعر تمام التمثل، فنحن إذا نظرناً إلى توثيق الراويه يمكننا أن نلاحظ أن الشاعر وفقاً لعادة العرب في الفخر يتخذ من المبالغه قاعدة مفهومة للمحتوى الدلالي الذي أراده الباث، فهو لم يجمع اللفظة جمعاً يدل به على جمع القلة الخضعه، وإنما جمعها جمعاً يدل به على جمع الكثره والشاعر يعرف أحسن من الراوية أن جمع الكثره الخيضعه أبلغ دلالة من جمع القله لما بين الدلالتين من تفاوت في التأثير.
ثم أن صياغة الشاعر للوزن الشعري لا تبتعد في شيء عما ذهب إليه علماء العرض في استحسانهم الزحاف إذا لم يكثر في الشعر، فالخليل مثلاً كان يستحسنه في البيت الواحد، فإذا توالى وكثر في القصيدة سمج، وكان يونس بن حبيب يعده أهون عيوب الشعر، لكي تصبح هذه العناصر المتميزة بمقاصدها التوثيقية جزءاً من العوامل المسهمه في التواصل الشعري.
ففي مخطط هذه العوامل يؤدي المرسل دور منتج الرساله الشعريه مرة وجهاز نقل هذه الرسالة أخرى، وفي هذه الحالة يصبح القصد مسألة تتوزعه بنيتان مختلفتان لا تفهمان إلا ضمن سياق تردان إليه بنية الشاعر وتحيل على قصد كما يراه الشاعر ويجربه ومركزه المرسلة الشعرية الأصلية، وبنيته المرسلة الشعرية المعدلة، وتحيل في جانب منها على قصد الشاعر وفي جانب آخر على قصد الراوية، ومركزه الرسالة الشعرية النهائية الموثقة في ديوانه الشعري أو في المختارات الشعرية.
وإذا انطلقنا من منهج في الوصول إلى هذا القصد وبناء على منطق التعديل والتقويم الذي شاهدنا جانباً منه في صفحات سابقة، اتضح لنا أن التواصل مع الشواهد الشعرية التفصيلية هو تواصل ينبني ابتداء على المداخل المعجمية للكلمة، وأنه يتم عن طريق منطوق الخطاب أو ما يسميه علماء اللغة التداوليون المعنى الحرفي، ومن هنا يصبح فعل القراءة في مثل هذا التعديل والتقويم هو فعل تفسير مسند إلى المعنى ومرجعيته، الأمر الذي يلزم القراءة باتخاذ وجهة نظر محددة، والابتعاد كلية عن الملابسات الدلالية التي تمكن منها درجة من التأويل من حيث أن المرجعية في الأساس تعني العلاقة التي تلاحظ بين العناصر اللغوية ألفاظ جمل والعالم الخارجي، أما الدلالة فمصدرها النظام المعقد لطبيعة العلاقات الداخلية التي بين عناصر لغة ما.
وإذا كانت كينونة الأدب كامنة في اشتعال الدال فإنه من ولا شك أن يثمن اللغويون الكيف الشعري لعمل شعري ما انطلاقاً من مقاييس متداولة في عصرهم، وإن كانت هذه المقاييس سبيل التوفيق في القراءة بين منهج في التوثيق وآخر يدل على أن الرسالة قد مارست فعاليتها القصوى ضمن عناصر التشويش التي لحقتها، أو ضمن عناصر لم يلحقها التشويش لأنهم كانوا يكتفون ببعض الإشارات الموحية إلى التفطن لشعرية النص وإيحاءاته الجمالية، وهو تفطن سنحاول الإحاطة به من خلال العناصر التواصلية الستة، وما تولده من وظائف ست أخرى، كما تبين عنه الخطاطة التالية؛
إن كل الوظائف سالفة الذكر والمرتبطة بالتفرع الثنائي الكامن في الحفظ الرواية من جهة الشاهد الشعري الأصل، الشاهد الشعري برواية مخالفة للأصل من جهة ثانية، يمكن أن تبرز أن الروايات المختلفة قد تتشابه من حيث الرغبة في البحث عن دلالة يتضمنها قصد الغرض الشعري وقصد الراوية والأساس في هذا البحث من طريق التغيير هو طريقة في الإجازة لا المقياس الدال عليها.
وإذا أردنا أن نتعمق أكثر في مسألة هذه الوظائف، فإنه بإمكاننا أن نخلق مجموعة من المقارنات التي يتم وفقها الربط بين مكونات الأنموذج التواصلي وبين التوثيقين السابقين توثيق الشاعر وتوثيق الراوية أنطلاقاً من قواعد الحفظ والرواية السائدة حتى بداية القرن الثالث للهجرة.
تحيل طريقة في التواصل الشعري على الوظيفه المرجعيه المسنده إلى المواضعة اللغوية المشتركة التي تعد نفعية وتعبيرية في الآن نفسه، فهي نفعية لأن الشعر يحل عقدة اللسان ويشجع قلب الجبان، ويطلق يد البخيل، ويحض على الخلق الجميل، وهي تعبيرية لأنها ترتبط بنمط من الإنشاد يفصل بين الشعر والكلام المنثور، ويتيح إسناد الشعر إلى الإنشاد تركيز المرسل على جوانب تعبيرية انفعالية تفسح المجال لموهبة أخرى تضاف إلى موهبة قوله هي كتابة القصيدة بالصوت والنغم، والتواصل الإنساني المباشر بين الشاعر والمتلقي، ولا شك في كون طريقة في الحفظ والرواية ضالعة في تفعيل الموهبة المذكورة، يقول أدونيس وبما أن الأصل في الشعر الجاهلي هو أن ينشد فقد كان الأصل أن ينشد الشاعر هو نفسه قصيدته فالشعر من فم قائله أحسن كما يعبر الجاحظ، وفي هذا ما يلمح أن عرب الجاهلي كانوا يعدون إنشاد الشعر موهبة أخرى تضاف إلى موهبة قوله، والحق أنه كان لموهبة الإنشاد أهمية قصوى في امتلاك السمع أي في الجذب والتأثير خصوصاً أن السمع الجاهلي أصل في وعي الكلام وفي الطرب، فهو كما يعبر ابن خلدون أب الملكات الإنسانية.
وإذا ثبت ارتباط هذه الوظيفة ببنية تعبيرية خاصة على مستوى الإيقاع الشعري، وثبت أن اختيار المنشد هو اختيار يحفز المتعة وينميها، لم يعد هناك ما يدعو إلى العجب في استمرارية الوظيفة ذاتها زمن التحول من الثقافة الشفاهية إلى الثقافة الكتابية، روى الصولي نزل علي أبو تمام الطائي فحدثني أنه امتدح المعتصم بسر من رأى بعد فتح عمورية، فذكره ابن أبي داود للمعتصم فقال له: أليس الذي أنشدنا بالمعيصة بلاد بالشام، الأحبش الصوت قال: يا أمير المؤمنين، إن معه راوية حسن النشيد، فأذن له، فأنشد راويته مدحة له.
وإذا فهمنا من هذه الوظائف أنها سبيل ياكبسون للكشف عن تنوعات لغوية فإنها تسند عند العرب إلى البلاغة، ولا سبيل إلى فهم الوظيفتين السابقتين سوى إخضاعهما متعالقيتن مع الوظائف الأخرى الإفهامية والانتباهية والميتالسانية والشعرية لتعاريف خاصة بالبلاغة، يأتي في مقدمتها:
1- البلاغة من قولهم: بلغت الغاية إذا انتهيت إليها وبلغتها غيري.
ومبلغ الشيء منتهاه والمبالغة في الشيء الانتهاء إلى غايته، فسميت البلاغة بلاغة لأنها تنهي المعنى إلى قلب السامع فيفهمه.
2- قال علي بن أبي طالب: البلاغة إيضاح الملتبسات، وكشف عوار الجهالات، بأسهل ما يكون من العبارات.
3- ولا يكون الكلام بليغاً حتى يعرى من العيب، ويتضمن الجزالة والسهولة وجودة الصنعة.
4- قال معاوية بن أبي سفيان الصحار بن عياش العبدي: ما تعدون البلاغة فيكم قال؛ الإيجاز، قال معاوية وما الإيجاز، قال صحار أن تجيب فلا تبطئ، وتقول فلا تخطئ.
5- وقال العربي: البلاغة التقرب من المعنى البديع، والتباعد من حشو الكلام، وقرب المأخذ، وإيجاز في صواب، وقصد إلى الحجة، وحسن الاستعارة.
6- قال ابن المقفع البلاغة كشف ما غمض من الحق، وتصوير الحق في صورة الباطل.
7- وقال الأصمعي البليغ من طبق المفصل، وأغناك عن المفسر.
8- أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة.
9- موضوع الكلام على الإفهام.
10- ربما كانت البلاغة في الاستماع.
إن كثرة التعريفات السابقة واختلاف جهة البلاغة عند أصحابها لم يكن ليمحو، من ذهن أصحابها، احتواء هذه البلاغة نسق بلاغة الشعر وأن هذا النسق، في المألوف والعادة عند العرب، يؤكد نفسه من خلال انضوائه ابتداء تحت علم الأدب.
وقيمة هذا العلم تتجلى في كونه علم يتعرف منه التفاهم بما في الضمائر بأدلة الألفاظ والكتابة، وموضوعه اللفظ والخط من جهة دلالتهما على المعاني، ومنفعته إظهار ما في نفس الإنسان من المقاصد وإيصاله إلى شخص آخر من النوع الإنساني حاضراً كان أم غائباً، وعلى هذا النحو يتم في أصناف الأدب إدراج مسألة التوصيل كممارسة نوعية بوسعنا أن نحتفي بها بالعودة إلى نص التهانوي إلى ظاهرة الاتصال الأدبي وقوانين القراءة بما يمكن تطويره وربطه بمصطلحات التلقي والتوصيل في علوم البلاغة والنقد الحديث.
ولا حاجة للقول أن معظم إن لم نقل كلهم الباحثين في تجليات البلاغة، كانت لهم عناية من قريب أو بعيد بنوعية مخصوصة من الشعر، وهي عناية تقود إلى الحديث عن مكونات الشعرية ووظيفتها من زاوية نظر لا تنفي عن الشعر الوظائف الأخرى وإنما تحدد الخصائص الشعرية المشاركة ضمن هذه الوظائف الكلية للشعر القوي الذي يحتمل مع فصاحته وكثرة استعمال ألفاظه، وسهولة تركيبه، وجودة سبكه، ومعاني شتى يحتاج الناظر فيه إلى تأويلات عدة وترجيح ما يترجح منها بالدليل وشروط تكون مثل هذه القوى تجسد طريقة في التلقي والتوصيل في البلاغة التقليدية، وهي تنتمي إلى الغالب من تجليات النصوص الأنموذجية وتكون قابلة للإدراك انطلاقاً من ملاحظة أولى تستدعي سؤال العلاقة بين الوظيفة الشعرية والوظيفة المرجعية التي تتطلب سياقاً غير السني، بوسعنا فقه جواب هذا الاستدعاء من ملاحظة الوظيفة الاتصالية في معاينة العرب القدامي لعلم المعاني وعلم البيان وعلم البديع وفهمها لمعايير مقامية يقع على عاتقها التمييز بين القوانين البلاغية وقضية التوصيل.
وإذا قبلنا بطبيعة هذه العلاقة كما هي عليه في قراءة النقاد البلاغيين العرب القدماء فإننا نقبل ما يلي:
أولاً : لقد اشترطت البلاغة العربية على نفسها وصف بلاغة النص بوصفه قاعدة ملازمة للتطور عبر حسن قديم حسن حديث، أو حسن قديم قبيح حديث، وترى البلاغة العربية أن مكونات العملية الإقناعية والتأثيرية بين طرفي تمتلك خصائصها الفارقة بالعودة إلى مسوغات القول إن حركات الخطيب ونبرته وتموجاته الصوتية هي عناصر محض خطابية، لكن ما ذا عن الأوجه البيانية التي عادة ما تحصر البلاغة فيها وحدها إن الاستعارة والمبالغة والطباق هي؛ وسائل بلاغية من حيث إنها تساهم في الإمتاع والتأثير ولكنها أيضا حجاجية من حيث إنها تعبر عن حجج بطريقة مركزة مع جعلها أكثر تأثيرا وإصابة.
وتمتلك هذه المسوغات البلاغية بمعزل عن آليات الإقناع غير اللغوية مكونات نظرية بعضها ينتمي إلى علم المعاني، وبعضها الآخر يحقق فرادته عبر علم البيان، وثالث يحقق خصوصيته من خلال علم البديع، وأن مجموع هذه الوسائل البلاغية قد أبانت بشيء من الوضوح أن تغيير الوظائف أو تكييف وظائف أخرى يكشف البعد الآني لعصر من العصور، إن الأصناف الأدبية لا توجد معزولة، بل تكون مختلف وظائف النظام الأدبي للعصر علاقة بين الأثر الفردي وهذا النظام.
وقد عالجت البلاغة العربية مختلف الوظائف البلاغية العائدة إلى عصر من العصور عبر طريقة عمومية في إثبات الانتماء إلى الطبقة، وأيضاً عبر مقولة التفرقة بين الشعرية الحداثية والشعرية التراثية، وما انجر بصددها من عمليات التقعيد التي مست جانباً من قضاياً العدول التي مست شواهد شعرية كثيرة، ولا تكتفي البلاغة العربية بهذه العلاقات القائمة بين بلاغة الأدب بالعودة إلى عصر من العصور بل تعدتها إلى متابعة مختلف الانحرافات على مستوى الشاعر خاصة التي لاصقت مختلف الثنائيات المتدابرة الوضوح الغموض والتعقيد مرة والجودة الرداءة أخرى، والحسن القبيح مرة، والخفة الثقل أخرى، مما يوحي باتجاه نحو التخطيط لمبدأ بلاغي تنظيمي لا يصنف الأدب وتاريخه بحسب الزمان والمكان وإنما بحسب بنية أو تنظيم أنواع أدبية متخصصة.
تحكم درجة من العدول عملية انتقاء للصفات مألوفة ومتداولة في الثقافتين الشفاهية والكتابية، ويشمل هذا الانتقاء مجموعة من المواقع المتسمة بالثبات والاستقرار ضمن علاقات تشابه يمكن للطرفين أن يتبدلا الموقعين، لأنهما يمتلكان الصفات نفسها.
ويفترض النقاد والبلاغيون العرب القدماء هاهنا، عمل التشبه والاستعارة وفق معايير تبادل المواقع بين الصفة والموصوف انطلاقاً من مركزية أن ينوب أحدهما مناب الآخر من طريق المقاربة والمشاكلة في الصفة من جهة واحدة أو جهات كثيرة لأنه لو ناسبه مناسبة كلية لكان أياه.
تحكم التفرد الشكلي الناتج عن التوزيع المعجمي والتوزيع الصوتي والتوزيع الصرفي والتوزيع النغمي الإيقاعي والتوزيع النحوي، أحكام قيمة تحاول أن تحصر هذا التفرد قبل عبد القاهر ضمن مجال البلاغة النقدية، وهو ما يفسر لجوء معظم النقاد إلى الثنائية المتدابرة الجودة الرداءة، لتفسير كثير من طرائق التفاوت التي كانوا يرونها بديهية إلى حد كبير.
ثانياً : والصنف الأدبي أيا كان نوعه دائماً ما يمنح دوراً مؤسساتياً محدداً يسند إليه، وهذا الدور هو الذي جعل كما يقول طودوروف ممارسة كلامية مؤسسة، ولهذا التحديد المؤسساتي جانبان أساسيان متداخلان ومتفاعلان دور تقاليد أدبية بوصفها ممارسة نصية هي وليدة كما يقول بيرسون مقتضيات مؤسسية مكرهة للكاتب بلا شك ولكنها أيضا مكرهة من قبله، ودور تقاليد أدبية باعتبارها ممارسة أدبية تنطلق، كما يقول باختين على وجه التحديد من الأصناف.
وبمقتضى هذا المنطلق فإن التحديد سيقف في موقف يفرض عليه مركزية الجمع بين القوانين البلاغية الكلية والممارسة الأدبية، فمن زاوية المبدعين بوصفها أمثلة مأخوذة من تقاليد أدبية مهيمنة، ومن زاوية أخرى القراء على اعتبارها قاعدة تأسيس لعدد مشابه من آفاق الانتظار.