يشتغل هذا البحث بشكل أساس على ثلاث فرضيات هي؛
الأولى: وحدة نسق الشعرية التراثية، واندماج أحكام بلاغة النقد تحت معايير بلاغية موحدة، ذلك أن معظم إن لم أقل كل النقاد العرب القدامى يتبنون مفهوماً عن القراءة ينسجم انسجاماً كبيراً مع التصورات التراثية لخصائص بلاغة نقد من خلال مفاهيم الحفظ والرواية في الأنموذج الشعري.
وأن جوهر التفاوت بما يضمن لأحكام القيمة مجال تحركها يكمن في توليد مصطلحات نقدية بلاغية ما، بالاحتكاك مع اختيارات شعرية لكي يكون هذا التفاوت نوعاً من ثقافة الحفظ والرواية المضافة إلى نسق الشعرية التراثية، وكلما رجع الدارس إلى أصول النظرية النقدية العربية القديمة إلا ويتقوى إحساسه بكون وحدة النسق المعرفي والمنهجي للشعرية التراثية، وحدة تنسجم ومفاهيم الحفظ والرواية عن ذات الشعرية، فما ترتبه الطريقة التي تؤكد بها المفاضلات الشعرية ذاتها وبصورة اتضاحها الفعلي معرفة وذوقا بشكل مذهل، حسب عبد القاهر الجرجاني قد تؤكد علينا أحكام القيمة الجمالية في الثقافة الكتابية.
ومتى ما حدث هذا، فإن معظم أحكام القيمة التي تنظم أسسها قواعد بلاغة نقد له من ثقافة الحفظ والرواية مثال يدخل ذاك الحكم عليها، ولإجمال القول في هذه العلاقة فإن توظيف طريقة في النفاذ إلى خصائص كل واحدة منها لوصف الشعرية على أنها ممارسة تفاضلية، سيخلق داخل الثقافة الكتابية أحكام قيمة عن الشعرية التراثية وما اختارت.
نعت النقاد العرب القدامى درجة تأثير الشعرية التراثية بالكلية مع بروز جدل التقليد الحداثة، وهو نعت يستحق أكثر من دراسة، لأنه يحمل شروطاً قبلية وخارج الضوابط التعليمية أو الأخلاقية، وهو يواجهنا بمفارقة لا يمكن حلها دون العودة إلى تقاليد شعرية موروثة يصعب تجاوزها في عملية التقعيد البلاغي، وإرساء قواعد البحث النقدي العربي القديم.
إن الإيمان القوي الذي يتضمنه الدفاع عن ثقافة الحفظ والرواية، عند النقاد العرب القدامى قاطبة، حين يتطلب من هؤلاء النقاد أن يتمثلوا نصوص هذه الثقافة ذوقا وعلما، وداخل هذه الذاكرة التي لا يريدون لها انطفاء، تشكل شواهد هذه الشعرية نموذجاً مألوفاً جداً بحيث لا نجد أحدا ممن يمكن أن يدعي عكس ذلك.
فهي التي ولدت في المحل الأول، دواعي الثقة بدرجة متعالية من الانبهار بنصوص شعرية ظل صداها يتردد في معظم نصوص الشعرية الحداثية.
وفي المحل الثاني ولدت درجة من الثراء البلاغي الناتج عن محفوظ شعري أبعد هاجس إمكانية أن تذعن البلاغة العربية لنصوص غيرها من النصوص الشعرية الحداثية.
وخلاصة مرتكزات هذا السبب أن أغلبية أحكام القيمة الجمالية قد ارتبطت بمضمرات الحفظ والرواية ومرجعيتها المعرفية والذوقية أكثر مما ارتبطت بتلميحاتها المتخفية وراء وسائل اللغة الشعرية وأساليبها التي تؤكد الخصوصية التي تنفرد بها، وفي نظري إذا كان هناك نوع من التأثر بالثقافة الشفاهية ليس لأنها ثقافة تجد تعبيرها في كل أشكال الحفظ والرواية الخارجين على ثقافة الكتابة، بل من خلال مضمراتها النظرية المعرفية والذوقية، وأعتقد أن هذه الأمور يمكن اختزالها في النقاط التالية:
1- ارتباط منتجي التواصل الشعري بذوق شعري أصيل.
2- النزوع إلى تثبيت أسس تواصل عبر كفاية تمييز كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام، وكفاية تمييز الرواية الصحيحة من الرواية الفاسدة.
3- السعي الحثيث لتثمين درجة متعالية من التكيف مع طريقة في الاختيار الشعري.
وأما الفرضية الثانية في إثبات إمكانية اقتراح مقاييس للتمييز بين القيمتين التقديريتين الجودة والرداءة، فقد رأيت أن أخصص الممارسة النقدية في الشعرية التراثية ببيان تمحورها قبل عبد القاهر الجرجاني على نظرة تحاول أن تجمع بين نواحي التوصيل الشعري ونواحي القيمة، فوضعت خصائص السامع المثالي بين بلاغة الشعر والتوتر الحاصل بينه وبين القرآن الكريم، إشارة مني إلى أن عملي يأتي في سياق منزع حجية المعرفة، والذوق الذي انبنت عليه في اعتقادي، أحكام القيمة.
ذلك أنه من الواضح أن النقاد العرب القدامى يستمدون كثيرا من بصيرتهم في خصائص علاقة هي الأكثر دلالة بين أركان العملية التواصلية المرسل، النص، المرسل إليه من تجربتهم الخاصة في ترتيب طبيعة علاقة تناصية، أولاً بين سابق وهو الخطابات البشرية ودرجة تفاوتها، وثانياً بين سابق ولاحق هو القرآن الكريم، وأخيراً بين لاحق وهو الخطابات البشرية وسابق هو القرآن الكريم في عملية التقعيد للبلاغة العربية، وأن أقوى تأييد يمكن أن يوجه إلى طبيعة هذه العلاقة التناصية هنا هو أن العلاقة التفاعلية التجريدية النوعية التي مارسها السامع المثالي انطلاقا من طريقة في المقارنة، قد أفرزت من بين ما أفرزته محاولة البحث عن قاعدة بلاغية مقنعة تراعى ثلاثة جوانب لا بد من أن تبرر شيئا من الاستجابات الجاهزة، وفي نفس الآن هذا الذي أحاول أن أبين لزومه لبعض الأعمال الشعرية الرائجة كالفهم الذي لا يقل أهمية في النقد عن الشعر الذي ظل يستهوي جمهورا متخصصا له خصائصه داخل بنية ثقافية شفاهية وخارجها، وأعني بهذه الجوانب:
1- الفهم وما يتضمنه من كفاية تجزئة القضايا فطرية القياس وتفكيكها وجعلها قاعدة تصور لما هو في الأصل كسبي أو نظري.
2- تعدد مستويات الفهم واتساع مجال الإعجاب هما فاعليتان يتوخاهما الشاعر والجدل حولهما في أنفسهما لا يتم دون فهم أو سوء فهم، وسوء تفاهم من مختلف المستويات.
3- من الواضح أن مسار التقعيد للنص الشعري في البلاغة العربية القديمة هو مسار لا ينفصل عن تداخل الوظائف الأربع وتفاعلها؛
(1) الوظيفة المعجمية.
(2) الوظيفة التركيبية.
(3) الوظيفة الدلالية.
(4) الوظيفة الجمالية.
وإذا صح أداء الشعرية التراثية للوظائف الأربع، وجب ألا تخلو مكوناتها من أسباب تميز لغتها الواصفة ولغتها الشعرية.
ويصعب في النظرية النقدية القديمة قبل عبد القاهر الجرجاني الفصل بين هذه الجوانب الثلاثة، على الرغم من إمكانية عد ثالثهما من الوسائل العادية المألوفة التي يتفاعل معها السامع القارئ الذي ينتمي إلى الثقافة الشفاهية أو الثقافة الكتابية اللهم إلا إذا استعنا بعموميات هي:
1- الوقوف بالأجناس الأدبية وحدودها عند قاعدة التسميات على نحو تصير معه الدلالة الاسمية للجنس مرتبطة بجوهر تقسيم الأجناس شعراً ونثراً.
2- الاتفاق الظاهر، الذي قد يخفي فروقا حقيقية، حول الحالة التي يثير فيها الشاهد الشعري علاقات متشعبة، كل منها يؤدي إلى درجة من التوقع يحاول أن يقف به الناقد العربي القديم عند معنى منصوص عليه في العرف والتقاليد أو صيغة من الصيغ الغرضية التي عبر بها عنه.
وفي الفرضية الثالثة، يحرص هذا البحث على الإشارة إلى أن الوعي الكتابي بالفهم له أصول شفاهية لدى النقاد العرب القدامى، وأنه استفاد مما هو مألوف داخلها ومتداول، وكان أمر الفهم هو من البديهيات السهلة الممتنعة، التي تحتاج إلى تنبيه من خلال ثنائية الجودة والرداءة من ناحية، والمقومات البيانية التي يدرجها النقاد العرب القدامى ضمن محسني التشبيه والاستعارة، فهي تقف ببلاغة النقد عند وظيفتين للشعرية متداخلتين متفاعلتين؛
1- أولاهما تعني بطريقة في الاختيار بوصفه نظام بلاغة كامنة ومفعمة بقيم جمالية تراثية، وبان لي أن الناقد العربي القديم سيصف كلاماً بليغاً حينما تصبح قياسات حد الجودة أو الرداءة قياسات صالحة للاستنباط من حد زمن من ناحية، وحد شعر يشبه هذا الشعر أو ذاك من ناحية أخرى.
2- ثانيتهما تقود زاوية نظر إلى بديهيات تصورات الثقافة الكتابية عن نسق هذا المألوف المتداول إلى تحديد أسس بلاغة نقد بوصفها مجموعة من الإجراءات الأدائية في تأمل طرائق تشكل خصائص شكل وخصائص مضمون، وكل ما هو خارج هذه الخصائص، وأن هذا الخارج إنما هو خارج لصيق، بل تابع للغة النص الشعري بشكل رئيس.
والغايات من هذا البحث كثيرة وعدة اخترت منها ما يلي:
1- الوقوف على خصائص لغة شعرية فارقة بوساطة قوانين بلاغية معيارية وكلية، تتراشح مع النقد الشعري في رسم حدود مسار شعرية، انطلاقا من ثنائيات ضدية تبين عن نسق من العلاقات بين الصفات الموجبة والصفات السالبة، وقد لعبت هذه الثنائية المتدابرة دورا مركزيا في مواقف النقاد العرب القدامى، حاولت أن أحدها بحدود منهجية، تفصح عن علاقات بين مسار صفتين متضادتين أمكن للناقد العربي القديم إدراكه انطلاقا من طريقة في النظر إلى حقل اسم أو فعل أصبح يستوعب صورا مجازية غير مطروقة سابقا، بتوسيع الاشتراك في السمات بين المشبه والمشبه به أو تضييقه كي يكونا هما أنفسهما سبيل توليد دلالي فهم على أنه وساطته في استنباط علاقات سيمية معنمية يجري عليها القياس.
2- إن الغاية من هذه الدراسة ليست الوقوف بالتفصيل على المفاهيم الحاملة للتفاوت الشعري في البلاغة النقدية، بل ملاحقة الخصائص المهيمنة منها عبر مناقشة أحكام قيمة، لا يمكن أن تكون ذات دلالة إلا إذا تمت في إطار نظري مستنبط من علمي البلاغة والفصاحة من ناحية، وله منطقه التاريخي وشروطه وحدوده؛
أ- أي أن هناك درجة من المصداقية في حكم ذوق يستند إلى تقويم وسيط الوصف بالحسن أو القبح، دخوله في حيز الاعتدال، وأنه من الأمور المحسوسة التي شاهدها في نفسها، وأن للذائقة الشعرية خبرة كافية في الحكم بالموجب على شواهد شعرية يوظفونها، وبالسالب على أخرى يهملونها.
ب- وهناك شبكة من العلاقات مؤداها أدوات شعرية جماعها طريق في النظر إلى مفهوم الاعتدال وتجلياته ويمكن أن يلتحق بدائرة هذا المفهوم في النظرية النقدية العربية القديمة مجموعة كثيرة من الصفات الموجبة والصفات السالبة، وتستدعي المراهنة عليه إعطاءه صورة عن الظروف التي ظهر فيها هي في نتيجتها رغبة في ملاحقة دوره الإيجابي صوتيا وتركيبا ودلاليا بأوصاف مسندة ابتداء إلى شواهد شعرية مأخوذة من الشعرية التراثية.
3- جمع أمشاج هذه البلاغة النقدية عبر فحص النصوص النقدية المهيمنة من خلال الاستقراء والتحليل، مدعما هذا الاستقراء وذلك التحليل بالعودة إلى المادة القديمة والمستهلكة والمبتذلة، وإعادة صياغتها وتهذيبها بمجموعة من الإجراءات المنهجية المستمدة من المناهج النقدية الحديثة والمعدلة وفق قراءة خاصة تفي بمتطلبات أحكام القيمة النقدية التي تستدعيها مثل هذه الدراسة.