0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج الدراسية بواسطة (4.2مليون نقاط)

التنظير النقدي لعمود الشعر الأصمعي: يعد الأصمعي من السابقين الأوائل في معايرة الإبداع الشعري وذلك بمحاولته وضع أسس وبنود له تحدده وترسم مساره، وقد شكلت هذه القواعد بتبلورها مع مرور الزمن المرجعية الثقافية للشعرية العربية، والتي مكنت المرزوقي من الكشف عن مقومات وعناصر عمود الشعر العربي فأصبحت حينها أحكاما نقدية بلغت مستوى النضوج الذي يسمح لها بأن تكون نظرية نقرأ على ضوءها النص الشعري ونفاضل بموجبها بين شاعر وآخر بمقدار اقترابه منها أو ابتعاده عنها.

ولم يجد الأصمعي أفضل من مصطلح لعنونة كتابه فحولة الشعراء، فجعل الإفصاح أعلى المراتب التي يمكن للشاعر الوصول إليها في الشعر، فيطلق عليه بذلك شاعر فصيح ويكون ذلك وفق شروط يراها الأصمعي من الركائز التي يجب أن تتوفر في الشاعر كي يرقى لطبقة الفصحه إن مبدأ الفحولة الذي احتفى به الأصمعي يرتبط في أغلبه بغرضين بارزين في الشعرية العربية منذ القدم وهما غرضي المدح والهجاء، لهما من أهمية اجتماعية إضافة إلى الترابط الحاصل بينهما، إذا يستفز أحدهما الآخر في ذكر معايب الرجل فيهجو ويذمه ويرد الآخر عليه بمثل ذلك ثم يذكر خصاله وفضائله فيمدحها ويرفعها، فالمسألة بينهما مسألة أخذ ورد تخلق بينهما ترابطاً والتحاماً يستفز كل منهما إلى إكمال المبارزة الشعرية بكل ما تجود به قريحته الشعرية، فحين نقول الفرزدق وجرير مباشرة يتبادر إلى أذهاننا ذلك الترابط الكبير بينهما في الهجاء لدرجة أن الكثير منا يعتبرهما إيقونتا الهجاء والمدح، وقد بارزا بعنوان بالغ في ساحة الشعرية العربية ولم يتأت لهما هذا الفضل إلا بممارساتهما الشعرية التي تنم عن معرفة وثقافة واسعة وإحاطة بأساليب العرب وسماعهم أخبارهم وراويتها وهذا مبلغ الفصحه ولابن رشيق في تحديده لشروط الشعرية عند الأصمعي كلام يقول فيه: لا يصير الشاعر فصيحاً حتى يروي أشعار العرب ويسمع الأخبار، ويعرف المعاني، وتدور في مسامعه الألفاظ، وأول ذلك أن يعلم العروض ليكون ميزانا له على قوله ليصلح به لسانه، وليقيم به إعرابه، والنسب وأيام العرب ليستعين بذلك على معرفة المناقب والمثالب وذكرها لمدح أو ذم. 

وبالرجوع لحديثنا عن المدح والهجاء فإن الشعر كما اتفق عليه مدح رافع أو هجاء واضع، والشاعر ملزم بالخوض في بابهما في شعره والبلوغ بهما حد التفرد و الفذوذ مادام معيار الفحولة مرتبطة بهما، ويفسر هذا ما جاءت به الرواية في إن ذا الرمة قال للفرزدق: مالي لا ألحق بكم فقال له: لتجافيك عن المدح والهجاء، وفي هذا تتجلى ملامح العودة للنزعة القبلية الأولى التي كانت تذيب أنا الشاعر في الضمير الجمعي، فالشاعر ملك لقبيلته يمدحها ويرفع شأنها ويهجو كل من يعاديها، وبهذا تتحدد قيمته عند قبيلته، فإن كان هجاءه مدقعا مزلزلا كانت له الحظوة والمقام الرفيع بين أهل قبيلته وإلا فعكس ذلك، وهو نفسه عند الأصمعي إلى جانب الفصل بين الشعر والدين وعدم الخوض فيه وتجنب إلزام الشاعر بذكره الأخلاق والولوج في شعره باب الخير ونتلمس هذه الدعوة في قوله عن شعر حسان شعر حسان في الجاهلية من أجود الشعر، فقطع متنه في الإسلام. 

ولعل دعوته إلى وجوب الفصل بين الشعر والدين تحمل وجهة نظر فيها من الإقناع ما يكفي للتسليم بها، ذلك أن طبيعة الشعر ترفض التقيد بأحكام وشرائع تكبله وتمنعه من الخوض في هذا وذاك وتفرض عليه مواضيع تخص الدين والأخلاق في حين أن الشعر منذ بداياته الأولى له الحرية في تناول جميع الأغراض حتى إن كانت تخالف الأخلاق والأعراف كالغزل والنسيب والفخر والمديح والهجاء ووصف مجالس الخمرة والكؤوس وتلك هي طريقة العرب التي يعبر عنها الأصمعي: طريقة الشعر مثل امرئ القيس وزهير والنابغة من صفات الديار والرحل والهجاء والمديح والتشبيب بالنساء وصفة الخيل والافتخار، وفي قول الأصمعي تقديم لامرئ القيس في كلامه بإعطائه الحظوة والامتياز الذي كفله إياه سبقه الزمني والفني فجعله على ناصية الشعراء المزيته عليهم حسب قوله؛ أولهم في الجودة امرؤ القيس له الحظوة والسبق وكلهم أخذوا قوله واتبعوا مذهبه، وفي هذا أيضاً تكريس وانتصار للنموذج الجاهلي يجعل امرئ القيس على طليعة الشعراء الذين يجب السير على نهجهم، والمتمعن في شعر امرئ القيس يجد معانيه كلها تصب في معنى النساء ومع ذلك فهو أشعر الشعراء حتى أنه قيل عنه رأس الشعراء، فما مرد ذلك كله وإن كنا نسلم بجودة سبکه وسبقه الزمني والفني معاً جعل الأصمعي من شروط أن يكون الشاعر صاحب طبع وفطرة قوية لم يروضها الخير ولم يلنها الصلاح، يقول الأصمعي: طريق الشعر إذا أدخلته في باب الخير لان، ألا ترى أن حسان بن ثابت كان علا في الجاهلية والإسلام، فلما دخل شعره في باب الخير من مراثي النبي (ص) وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما وغيرهم، لان شعره، ذلك أن مبدأ الشعر لابد أن يكون بمعزل عن الأخلاق، وإلا أصبح شعرا لشعراء صلحاء كما هو الحال مع أبي دؤاد الأيادي وشعر كرماء كما مع حاتم الطائي وشعر فرسان كما مع عنترة بن شداد.

وقد نفى عنهم الأصمعي صفة الفصحه وأوجب غلبة الشعر على شخصية الشاعر بحيث تباغتهم الهجمة الشعرية في أوقاتهم وظروفهم وفي عز انشغالهم بينما الذين يمارسون الشعر أوقات فراغهم لا يحسبون ضمن أهل الشعر وخاصته، والأجدر بهم تسميتهم بأسماء تحددها مواضيعهم التي يطرحونها فمن صفات الفحولة أن تكون الغلبة في شخص الشاعر للشاعرية وصفاتها أي أن يكون منقطعا بالدرجة الأولى، إلى الشعر، أما الذين يكتبون الشعر في أوقات فراغهم بحيث لا يكون الهاجس الأول عندهم، فإنهم ليسوا بفحول، وربما ليسوا شعراء والأجدر أن يسموا بأسماء أخرى.

وإلى جانب مجموع معايير الأصمعي التي ذكرناها نجده يضع معيارا آخر يتمثل في كم القصائد التي يأتي بها الشاعر والتي تؤهله، وإن كنا لا نجزم بوجود عدد معين وضعه الأصمعي إلا أننا نجده يضع لكل شاعر نصابا محددا إذا بلغه أصبح شاعراً وهذا ما نستشفه منه عندما عد معقد البارقي لو أتم ما وصلنا من شعره بخمس قصائد أو ست، في حين أن أوس بن غلفان الهجمي، لو أتم ما وصلنا من شعره بعشرين قصيدة. 

ولعل الأصمعي لا يختلف في توجهه النقدي عن الكثير ممن نظروا للشعر العربي إبان القرن الثاني الهجري باعتبار الشعر الجاهلي النموذج الأعلى، رغم كل محاولات الاستحداث وكل التغيرات الزمنية التي حدثت بقي ولاءهم للشعر القديم، غير أن الأصمعي زاد على ذلك الشاعر البدوي لعلمه بأساليب العرب وبأيامهم وأعرافهم، وذلك بدليل أن الأصمعي اعتبر شعر ذي الرمة حجة لأنه بدوي، ولكن ليس يشبه شعره شعر العرب، بمعنى ليس بالضرورة أن يكون الشعر جاهلياً كي يعد مقياسا وحجة، ويكفي أن يكون بدوياً. 

لكن الأمر يختلف مع غير الجاهلي والبدوي كالمولد الذي لم يعتبره حجة ولا معياراً، يقول الأصمعي: الكميت بن زيد ليس بحجة لأنه مولد، وفي ذلك تشديد وغلظة على الشعر المحدث، وتكفي كلمة المحدث التي أطلقت عليه كي تكشف عن هذه النظرة الدونية له والتي ولدت صراعا كبيرا بين المتمسكين بالقديم وبين دعاة التجاوز والتجديد، ولو أتيحت الفرصة لفهمه والعناية به لتم تحقيق نقلة نوعية هي نتاج متواصل لشعريات قديمة امتدت صلتها بالمحدث من خلال ارتباط جوهري وتتمة إبداعية من الشاعر السابق إلى الشاعر اللاحق، بدل أن تبقى في هامش الأدب العربي قابعة بين ترسبات وتكتلات زاد من سماكة حجمها الزمن.

أما الأصمعي فلا يمكن إنكار مساهمته الكبيرة في تشكيل العمود الشعري انطلاقاً من تبنيه مصطلح، وجعل له شروطاً لابد أن تتوفر في الشاعر كي يكون ضمن الشعراء ويمكن أن تحمل هذه المقاييس في مخطط توضيحي يعرض هذه المعايير النقدية التالية:

1. الالتزام بالتقاليد الشعرية المتعارف عليها.

2. الثقافة الواسعة والعلم بالشعر.

3. رواية أشعار العرب وحفظها.

4. بروز الشاعر في غرضي المدح أو الهجاء.

5. فصل الدين عن الشعر

6. غلبة الشعر على الشاعر - التخصص والحرفية

7. صاحب طبع يغلب التطبع الأخلاق

8. معيار الفصاحة ويشرط أن يكون الشاعر بدويا.

9. معيار الجودة والصياغة.

10. معيار الكم الشعري.

إن هذه المعايير التي أوردناها كانت بمثابة معيار نقدي احتكم إليه الكثير من النقاد من بعد الأصمعي في الحكم على العديد من الأشعار، غير أنه تعرض في مساره الزمني والأدبي وككل العلوم إلى تطوير وتوسيع وإكمال، وإذا حاولنا أن نقيم مطابقة لمعايير الأصمعي مع نظرية عمود الشعر التي أرسى معالمها ومدى قربها وبعدها عنها نجد أكثر من معيار أدرجه المرزوقي واعتمده في تأسيسه للنظرية منها:

1- عيار الفصاحة يقابله في القاعدة النقدية لعمود الشعر عيار اللفظ، وتشترط فيه فصاحة اللسان والابتعاد عن الغرابة والحوشي الشاذ من الكلام. 

2- بروز الشاعر في غرضي المدح أو الهجاء يقابله عيار الإصابة في الوصف ذلك أن كل من المدح والهجاء يعتمد على الوصف الدقيق للممدوح أو المهجو. 

3- رواية أشعار العرب وحفظها يقابلها عيار التحام أجزاء النظم والتئامه مع تخيير من الوزن وذلك لا يتأتى إلا برواية أشعار العرب وحفظها حتى تصبح سليقة على لسان الشاعر ويسهل عليه ضبط مشاعره ونوازع نفسه وفق قالب الوزن والإيقاع.

4- الثقافة الواسعة والعلم بالشعر يقابله عيار مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضاءهما للقافية فيجعل بذلك القافية دالة على معنى البيت وقد اشتهرت قوافي كثيرة الشعراء كسينية البحتري في مدح کسرى، ونونية الخنساء الدالة على الرثاء والحزن. 

هذه مجمل المعايير التي جاء بها الأصمعي والتي أسست لنظرية عمود الشعر وهي أربع معايير متطابقة معها بحسب ما ذكرناه سابقاً.

ابن سلام الجمحي؟ 

يعد ابن سلام الجمحي أيضاً من النقاد الذين كانت لهم جهود في خدمة الأدب وتقديم إضافة للنقد العربي فقد ساهم بآرائه في وضع الأصول الأولى لمعيار عمود الشعر بطريقة ممنهجة وصياغة محكمة في كتابه طبقات فحول الشعراء فصنف فيه رتب الشعراء بحسب طبقاتهم، إذ لم يخالف طريقة الأصمعي في جعل الشعراء فريقين وهو في كتابه قد اعتمد على آراء الأقدمين ووجهات نظرهم، وتأثر بعنوان كتاب الأصمعي إلى حد ما، إلا أن شخصية ابن سلام في كتابه تبدو أوضح وأكثر دقة من شخصية الأصمعي في كتابه، ذلك لأنه حاول مزاوجة النقد بتاريخ الأدب، لاسيما وأنه قد عاصر الحقبة الزمنية التي شهدت نشاطا في حركة التأليف، مما سهل توفر المادة العلمية الأدبية والنقدية، ومكنه من الوقوف على الكثير من وجهات نظر الأقدمين وعلى العديد من آرائهم النقدية.

إن استخدام ابن سلام المصطلح لم يكن ابتداعاً منه، فقد سبقه الأصمعي بجعلها معيارا يحدد درجة الشاعر ومكانته، إلا أن الاختلاف بينهما يكمن في أن الأصمعي صنف الشعراء، أما ابن سلام فكان يقسم الشعراء ويصنفهم وفق طبقات تحدد الجيد والأجود منه، فتدرج في مسالك فمن أكثر إلى الأقل وهكذا ودواليك، جاعلا أرقى الشعراء في الطبقة الأولى والتي عدها معيارا تحتكم إليه باقي الطبقات وبها تتحدد مستوياتها بمدى قربهم أو بعدهم عنها، وتتخلص المعايير التي جعلت ابن سلام يصفها في أول طبقاته والتي شكلت في الوقت ذاته معايير نقدية تخص الشعر وضوابطه مادام يعتبرها النموذج الأرقى للشعرية في المقاييس التالية:

1. معيار الزمن والقدمة: صنف ابن سلام الشعراء طبقات، فأعطى الأولية للشعراء الجاهليين في طبقته الأولى، وعدهم بأربعين شاعرا وجعل معيار التقدم زمنيا سببا لتفضيلهم ولتقدمهم، وما انتقاله من الشاعر الأقدم إلى القديم إلى الأقدم منه في طبقاته إلا دليلا على ذلك بالرغم من أن الساحة الأدبية شهدت نماذج لشعراء من بعدهم تنافسهم بل تفوقهم في المستوى الإبداعي، وهذا يعني وجود انحياز من ابن سلام للنموذج الجاهلي وتقديس منه للطريقة الشعرية العربية الأولى،ولعل هذا المعيار هو ما جعل الشعر المحدث يقابل بالرفض ويتهم بالبدعة والتضليل بخرقه للتقاليد الشعرية الأصل.

2. معيار الكم والإجادة: وهو نفسه الذي اعتمده الأصمعي، ويتحقق ذلك بما ينظمه الشاعر من قصائد؛ فنجد ابن سلام يعلل سبب تصنيفه بعض الشعراء في الطبقة السابعة بقوله: أربعة رهط محكمون مقلون، وفي أشعارهم قلة فذاك الذي أخرهم، وهم سلامة بن جندل وحصين بن الحمام والمتلمس والمسيب، وأرجع السبب في تأخيرهم لقلة شعرهم. 

ويقول في الطبقة الرابعة مثل قوله في الطبقة السابعة غير أنه يعد أصحابها ممن كان يستوجب أن يكونوا ضمن الأوائل لولا أن شعرهم لم يروا ولم يصل منه الكثير، وهم أربعة رهط الشعراء وضعهم مع الأوائل وإنما أخل بهم قلة شعرهم بأيدي الرواة، ولم يشفع لهم معيار الإجادة لإلحاقهم بالمقدمين، فكان بذلك معيار الكثرة متقدما عن الإجادة، وهذا سبب تأخر كل من طرفة بن العبد وعبيد بن الأبرص وعلقمة بن عبدة وعدي بن زيد إلى الطبقة الرابعة، رغم جودة أشعارهم ولهذا يقول ابن سلام عن الأسود بن يعفر: له واحدة طويلة رائعة لاحقة بأول الشعر لو شفعها بمثلها قدمناه على أهل مرتبته وهذا ما دلل أسبقية اعتماد ابن سلام معيار الكثرة في تصنيفه للشعراء على معيار الجودة.

3. معيار الغرض الشعري: وهو ما تبنى عليه القصيدة في الأصل فإن كان الأصمعي يرى المدح والهجاء غرضين رئيسيين فإن ابن سلام أفرد في كتابه طبقة خاصة لشعراء المراثي ومتمم بن نويرة والخنساء وأعشى باهلة وكعب بن سعد الغنوي وطبقة أخرى خاصة بشعراء الغزل ما يعني اعتماده الغرض الشعري معيارا للتصنيف.

4. المعيار الأسلوبي: إذ جمع ابن سلام الشعراء الذين تتقارب أساليبهم الفنية في أشعارهم ضمن طبقة واحدة.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)

5. معيار المعرفة بالشعر والأوزان: وقد اعتمده ابن سلام في طبقاته حين فضل الأعشى لكونه أكثرهم عروضاً، ويعني بذلك معيار الوزن إذ كان الأعشى ينظم شعره على بحور مختلفة.

6. المعيار الديني: إذ خص الأصمعي طبقة لليهود وتضم ثمانية شعراء أشهرهم السموال بن عادياء وكعب بن الأشرف وسعية بن العريض. 

7. معيار البيئة: حيث أفرد له ابن سلام طبقة تجمع أهل القرى وقسم شعراءها تبعا للمدينة التيويسكنونها.

8. معيار الأخلاق: حيث نجده يميل للجانب الأخلاقي في إشارته للشعراء وبمن كان يتأله في جاهليته بتعففه في شعره ويستبشر بالتهكم في الهجاء.

إلى جانب المعايير التي ذكرنا هناك معايير أخرى لجأ إليها ابن سلام في تصنيفه تخص المبدع دون الإبداع، في حين كان يجب أن يكون العكس ولعل هذا السبب الذي جعل بعض النقاد يرونها تفتقر إلى الموضوعية وأنها لم تكن بالدقة التي يراد منها مرجعين ذلك إلى طفولة النقد وإلى ظروف العصر التي نشأت فيه هذه المعايير، إذ لكل عصر توجهاته النقدية والفكرية ومن الطبيعي أن تكون هذه المعايير موافقة للحس الفني والذوق السائد آنذاك، عدا ذلك فقد يحسب لابن سلام دوره الريادي وسبقه في تقديم محاولات لمنهجة النقد انطلاقا من أسس علمية ومن نظره استقرائية للشعر العربي عبر مساره التاريخي وفي تقسيمه الطبقي للشعراء بعد أن كان مجرد أحكام جزئية مبعثرة، ومن نتائج تلك الجهود إفادة المرزوقي في إخراج نظرية العمود والتي جاءت خلاصة مرجعيات نقدية سابقه ساهمت في تأطيرها، والدليل في ذلك تقارب في البعض من معايير المرزوقي ومقومات ابن سلام منها:

1. معيار الجودة: ويقابله في العمود عيار مشاكلة اللفظ للمعنى، وشدة اقتضاءهما للقافيه، أي أن يكون اللفظ مساويا للمعنى فلا يزيد عليه ولا ينقص عنه وأن يكون معنى البيت مدلولا عليه بالقافية فإن تحققت هذه الشروط تحقق معيار الجودة.

2. معيار البيئة: ويقابله عيار اللفظ في العمود ذلك أن اللفظ يستوجب الفصاحة وجمال التناسق الصوتي، وهذان الشرطان يتوفران في الأغلب عند شعراء البادية لتمكنهم من ضروب اللغة القحة والإعراب لهذا حق لهم التقدم.

3. معيار المعرفة بالشعر وبالأوزان: ويقابله عيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخير من الوزن وذلك سبب ابن سلام للأعشى دون غيره.

4. المعيار الأسلوبي: ويشمل عيار الإصابة في الوصف، ذلك أن الصدق في الوصف هو الشائع في أساليب العرب القدامي، إذ لابد للشاعر أن يحسن الوصف في جميع الأغراض، وأن يتوخى الدقة فيها سواء أكان وصفا لممدوح أو وصفا المهجور أو وصفا للميت، خاصة وأن ابن سلام قد أفرد للمراثي طبقة بحالها.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
سُئل أبريل 29، 2022 في تصنيف لعبة تراكيب بواسطة أثير الثقافة (4.2مليون نقاط)
0 تصويتات
1 إجابة
مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...