الفخر في الشعر الجاهلي، تعريف الرثاء لغة واصطلاحًا، تعريف الهجاء لغة واصطلاحاً.
الفخر؟
الفخر هو التغني بالفضائل والمثل العلیا، والتباهي بالسجایا النفسیة، والصفات القومیة والزهو بالفعال الطیّبة، والفخر هو مدحك نفسك بالطهارة، والعفاف، والحلم، والحسب، وما یجري مجراها.
الافتخار هو المدح إلا أن الشاعر یخص به نفسه وقومه، وكل ما حسن في المدح حسن في الافتخار. وكل ما قبح في المدح قبح في الافتخار.
ولذلك أحادیث المرء عنده هو حدیثه عن نفسه، وخصاله، وفعاله من الشجاعة، والكرم، والمروءة، وحمایة الجار، طیب المنبت، وعراقة الأصل، وكثرة المال، والولد، إلى غیر ذلك مما یزهو به الإنسان، ویختال به على غیره، وهذا النوع من الفخر یعرف بالفخر الذاتي، ولعل خیر من یمثله في العصر الجاهلي، عنترة بن شداد العبسي، فكم فاخره الذاتیة تمثل نزعة الإنسان العصامي، الذي یؤمن بعمله وما یقوم به من خیر، ویتباهى به، حیث قامت مفاخره على التجرد من العصبیة بأشكالها، فهو على النقیض من مفاخر الشعراء الجاهلیین، ولعل مرد ذلك أنه كان عبداً، وكان فارساً شجاعاً، سخیاً بكل ما یملكه، فذاتیته هي محور مفاخرة ونلمس ذلك في قوله
أثنـــــــــى علـــــــــى بمــــا علمــــــــتِ فـــــــــإنني
ســــــــمح مخــــــــالفتي إذا لــــــــم أظلــــــــم
يخبــــــــرك مــــــــن شــــهد الوقيعــــــة أننــــــــي
أغشـــــى الـــــوغى وأعـــــف عنـــــد المغـــــنم
وإذا شــــــــــــــربت فــــــإنني مســــــــــــــتهلك
مــــــالي وعرضـــــــي وافــــــر لـــــــم يكلـــــــم
وإذا صـــــحوت فمــــــا أقصـــــر عنــــــد نــــــدى
وكمـــــــا علمـــــــت شـــــــمائلي وتكرمـــــــي
ومن الذین انتهجوا هذا النهج من شعراء العصر العباسي، بشار بن برد، فقد افتخر بنفسه في قوله
ونبئــــــــــت قومــــــــــاً بهـــــــــــــم جنـــــــــــــة
يقو لـــــــــون مـــــــــن ذا وكنـــــــــت العلـــــــــم
ألا أيهــــــــــــــــا الســــــــــــــــائلي جـــــــــــــاهلاً
ليعرفنــــــــــــي أنــــــــــــا إلــــــــــــف الكـــــــــرم
نمــــــــت فــــــــي المكــــــــارم بــــــي عــــــــامر
فروعــــــــي وأصــــــــلي قــــــــريش العجــــــــم
وإنــــــــــــي لأغنـــــــي مقــــــــــــام الفتـــــــــــى
وأصــــــــــبي الفتــــــــــاة فــــــــــلا تعتصــــــــم
فهو یفتخر بمكانته بین قومه، وأنه علم غني عن التعریف، ویصف سائله بالجهل لأنه لم یعرفه وأن مكارم الأخلاق من أصله وفروعه، فهي موروثة عنده، ویحسن الفخر إذا كان الشاعر یمتدح بالفضائل النفیسة والخصال الخلقیة بعیداً عن التباهي بالأمور المادیة، والقوة الجسدیة أو التفاخر بالأنساب، والأصول والقبائل، لذلك فخیر الفخر ما كان تغنیاً بالفضائل، وتمدّحاً بالمثل العلیا، ولا مجاوزة للمألوف، ولذلك استحسن قول حاتم الطائي لأنه تعبیر عن واقع مألوف وحقیقة صادقة
أمـــــــا والــــــــذي لا يعلـــــم المعـــراج غيـــره
ويحــــي العظــــام البــــيض وهــــي رمــــيم
لقـــــد كنـــــت أطـــــوى الــبطن والــزاد يشــتهي
مخافـــــــــة يومـــــــــاً أن يقـــــــــال لئـــــــــيم
وقد دارت قصائد الفخر حول الشجاعة والبأس والنجدة وإجارة المولى، وإطعام الفقراء، وإكرام الضیف، وبذل المال، والإیثار، ولا یخلو الشعر الجاهلي من بعض القصائد التي بها غلو ومجاوزة لحدود المعقول، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم في معلقته الشهیرة
ملأنــــــــا البــــــــر حتــــــــى ضــــــــاق عنــــــــا
ومــــــــــاء البحــــــــــر نملــــــــــؤه ســــــــــفينا
إذا بلــــــــــغ الفطــــــــــام لنــــــــــا صــــــــــبي
تخــــــــــر لــــــــــه الجبــــــــــابر ســــــــــاجدينا
والفضائل التي یفاخر بها الشاعر، وینافس بها غیره من الشعراء، والقبائل هي نفسها التي یمتدح بها الملوك، وعِلْیِة القوم، شاكراً أو متكسباً.
والفخر من أدلّ فنون الأدب على فطرة الإنسان، هو ذكر المزایا الحسنة، ووصف الشمائل الكریمة التي یحسها الشاعر في نفسه، أو فیمن یفتخر بهم، وقد افتخر معظم الشعراء إن لم یكونوا كلهم على مر العصور بمقدراتهم الشعریة، ومن الشعراء العباسیین الذین طرقوا هذا الباب أبو تمام وقد قال
كمــــــــا علــــــــم المستشــــــــعرون بــــــــأنهم
بطــــاء عــــن الشــــعر الــــذي أنــــا قاصــــده
ومن قصائده في الفخر قصائد یصور فیها مكارم قومه ومحامدهم یقول
أنـــــا ابـــــن الـــــذي استرضـــــع الجـــود فــيهم
وســـــــمي فـــــــيهم وهـــــــو كهـــــــل ويــــافع
مضـــــــــوا وكـــــــــأن المكرمـــــــــات لـــــديهم
لكثــــــــرة مــــــــا أوصــــــــوا بهــــــــن شـــــرائع
بهاليـــــــل لـــــــو عاينـــــــت فـــــــيض أكفهــــم
لأيقنــــــت أن الــــــرزق فــــــي الأرض واســــــع
ولما كان الفخر بالقوم وصفاتهم من أمیز فنون الفخر في العصر الجاهلي، والأموي، والعباسي، فهذا بشار بن برد یفخر بقیس موالیه، وما یذیقونه أعداءهم من بأس شدید
إذا الملـــــــــك الجبــــــــــار صـــــــعر خــــــــــده
مشــــــــــينا إليــــــــــه بالســــــيوف نعاتبــــــــــه
وكنـــــــــــــا إذا دب العـــــــــــــدو لســـــخطنا
وراقبنــــــــــا فـــــــي ظاهريــــــك نراقبـــــــــــه
ركبنــــــــا لـــــــــه جهـــــــــراً بكـــــل مثقــــــفٍ
وأبــــــــيض تستســــــــقي الــــدماء مضـــــاربه
كذلك قوله یفتخر بقیس بن مضر؟
إذا مـــــــــا غضـــــــــبنا غضـــــــــبةً مضـــــــــرية
هتكنـــــا حجـــــاب الشـــــمس أو تقطــر الـــــدّما
إذا مــــــــا أعرنــــــــا ســــــــيداً مــــــــن قبيلــــة
ذرى منبـــــــــــرٍ صــــــــلى علينـــــا وســـــــــــلما
ومن الشعراء البدو ناهض بن ثومة، الذي افتخر بقومه مبیناً مدى شجاعتهم وذكر أنهم هزموا بني نمیر بكتائبهم القویة وجعلوا رؤوسهم طعاماً للسباع بین الجبال یقول:
ألا هـــــل أتـــــى كعبـــــاً علـــــى نـــــأي دارهـــــم
وخـــــــذلانهم أنـــــــا ســـــــررنا بنــــي كعـــــــب
بمــــــــا لقيــــــــت منّ ــــــــا نميــــــــر وجمعنـــــا
غــــــــداة أتينــــــــا فــــــــي كتائبنـــــا الغلـــــب
فيـــــا لـــــك يومـــــاً بـــــالحمي لا نـــــرى لـــــه
شــــبيهاً ومــــا فــي يــوم شــــيبان مــــن عتــــب
أقامــــــت نميـــــــر بــــــالحمى غيـــــر رغبـــــــة
وكـــــان الـــــذي نالـــــت نميـــــر مـــــن النهـــــب
رؤوس أوصــــــــــــــال يزايــــــــل بينهــــــــــــــا
ســــــباع تـــــــدلت مـــــــن أيـــــــانين هضـــــب
لنــــــــا دفعــــــــات فــــــــي نميــــــــر تتابعـــــت
بضـــــــــــيم ونكـــــــــــب علـــــــــــى نكــــــــب
ومن الفخر الذاتي عند العباسیین الذي نلمح فیه أثر البیئة البدویة مع جزالة الألفاظ وجمال التشبیه قول ابن هرمة:
إنـــــــــــي وتركـــــــــــي نــــــدى الأكـــــــــــرمين
وقـــــــــدحي بكفـــــــــي زنـــــــــداً شـــــــــحاحاً
كتاركـــــــــــــــــة بيضـــــــــــــــــها بـــــــــــالعراء
وملبســـــــــة بـــــــــيض أخـــــــــرى جناحـــــــا
فهو یفتخر بأن الكرم شیمة متأصلة في ذاته. مؤكداً فكرته بالتشبیه الوارد في البیتین قائلاً : یستحیل أن یترك ندى الأكرمین، وشبه نفسه بأنثى الطائر، فهي لا تترك بیضها لتحضن بیض أخرى، ومن شعر الفخر الذي جمع بین حسن الشمائل واصطناع الحكمة قول على بن جبلة العكوك:
وكـــــم رميـــــة للـــــدهر فـــــي بـــــاب مـــــأمن
جعلــــــت مجنــــــي دون مكروههــــــا صــــــبري
أذود منـــــــى نفســـــــي جهيـــــــداً وعفتـــــــي
إذا حملــــت غيــــري علــــى المركــــب الــــوعر
فالفخر في العصر العباسي كما رأینا طرق الموضوعات نفسها التي طرقها الشعر في العصور السابقة له، فلم یكن هناك مجال للتجدید إلا في الإكثار من العصبیة، والمبالغة، والغلو، وتلك كانت من دواعي العصر لِمَا كان فیه من تمازج بین مختلف الأجناس والثقافات.
الرثاء؟
الرثاء هو ذكر مآثر المیت، ووصف الحزن علیه، والجزع لفقده وبیان مكانته، وأثره في مجتمعه الذي یعیش فیه، وهو من أقدم الأغراض الشعریة، فالقدماء كانوا یرثون الخلفاء، والقواد والأصدقاء الذین تربطهم بهم علاقات إنسانیة، وقد تبعهم في ذلك أغلب شعراء العصر العباسي.
ومن أنواع الرثاء الندب، وهو البكاء والتفجع على المقربین من نفس الشاعر من أقارب، وأباعد، والتأبین وهو أقرب إلى الثناء منه إلى الحزن الخالص، وهو أشبه بالمدیح لما فیه من ذكر محاسن المیت، والعزاء وهو مواساة أهل البیت، وإرسال النصح، والإرشاد لهم.
ولعل خیر المراثي وأطرفها هي التي قالها الشعراء في رثاء أنفسهم، عند إحساسهم بدنو أجلهم، أو وقوعهم في شدة، أو أثر، أو مرض، وكثیر من الشعراء ذكروا الموت، وناحوا على أنفسهم، وأوصوا أهلهم بما یفعلونه بعد موتهم، وأرسلوا خیالهم في ما سیكون من أمرهم بعد الموت، ومن ذلك قول المتلمس الضبعي:
خليلـــــــي إمـــــــا مـــــت يومـــــــاً وزحـــــزت
مناياكمــــــــــا فيمــــــــــا يزحزحــــــه الـــــدهر
فمــــــرا علــــــى قبــــــري فقومــــــا فســــــلما
وقـــــولا ســـــقاك الغيـــث والقطــر يــا قبـــــر
كـــــأن الـــــذي غيبـــــت لـــــم يلـــــه ســـــاعة
مـــــــن الـــــــدهر والـــــــدنيا لهــــاورق نضــــر
فالشاعر یستوقف صاحبیه ویطلب منهما أن یُسلّما على قبره، إذا مرا به یدعوان له بالسقیا، والرثاء حزن، وبكاء، ولوعة، وتفجع، لذلك كان طبیعیاً أن یكثر في هذا الغرض الحدیث عن العین، والدموع وغزارتها، وقد سبق إلیه من شعراء العصر الجاهلي الشاعر عدي بن زید إذ یقول:
ومـــــــــــــا لـــــــــــــي ناصـــــــر إلا نســــــــــاء
أرامـــــــل قـــــــد هلكـــــــن مـــــــن النحيــــب
يحـــــــــــدرن الـــــــــــدموع علــــــى عـــــــدي
كشــــــــــنٍ خانــــــــــه خــــــــــرز الربيــــــــــب
ومن قصائد الرثاء المشهورة في العصر العباسي قصیدة للحسین بن مطیر في رثاء معن بن زایدة، وهي من أشهر، وأقوى قصائد الرثاء في الشعر العربي، حتى أن ممدوحي الشاعر كانو یغارون من هذه القصیدة التي یقول فیها:
ألمـــــــــا علـــــــــى معـــــــــنٍ وقــــولا لقبـــــــره
ســـــــقتك الغـــــــوادي مربعـــــــاً ثــــم مربعـــــا
فيــــــــا قبــــــــر معــــــــن أنــــــت أول حفـــــرةٍ
مــــــن الأرض خطــــــت للســــــماحة مضــــجعا
ويــــــا قبــــــر معــــــن كيـــف واريــــت جـــودة
وقــــــد كــــــان منــــــه البـــر والبحــــر مترعـــا
بلــــى قــــد وســــعت الجــــود والجــود ميــــت
ولـــــو كـــــان حيـــــاً ضـــــقت حتـــــى تصــدعا
فتــــــى عـــيش فــــــي معروفـــه بعـــد موتــــــه
كمـــــا كـــــان بعـــــد الســـــيل مجـــراه مرتعـــا
نلاحظ أن الشاعر جعل رثاءه من خلال مخاطبة القبر الذي توسده معن، واستطاع أن یستأثر عاطفة السامع من خلال ما تضمنه المعاني، وهذه المرثیة جعلته في مصاف كبار الشعراء ومن ثم فقد عُدّ من بین المحدثین من شعراء العصر العباسي.
وقد أجاد الشاعر مسلم بن الولید في الرثاء إجادته في المدیح، وأحیاناً تبدو بعض المراثي عند مسلم عذبة الإیقاع، قلیلة الأحزان، وتكون أقرب إلى مدح حي منها إلى بكاء میت، ومن هذا الضرب مرثیته التي یقول فیها:
حلـــــــــو الشـــــــــمائل مـــــــــأمون الغوائـــــــــل
مـــــــــــــأمول النوافــــــــــــــل زنـــــــــــده واري
الله ألبســــــــــه فــــــــــي عــــــــــود مغرســـــه
ثيـــــــاب حمـــــــدٍ نقيـــــــات مـــــــن العـــــــار
ولولا علمنا بأن هذه القصیدة في الرثاء لصنفناها من قصائد المدیح، وهذا الأسلوب شبیه بأسلوب الخنساء في رثائها لأخیها؛
المجـــــــــد حلتـــــــــه والجـــــــــود علتـــــــــه
والصــــــــدق حوزتــــــــه إن قرنــــــــه هابــــــا
خطـــــــــاب محفلـــــــــة فـــــــــراج مظلمــــــة
إن هـــــــاب معضـــــــلة أتـــــــى لهـــــــا بابــــا
ومن أجود الأبیات في الرثاء قول مسلم بن الولید:
أرادوا ليخفـــــــــوا قبـــــــــره عـــــــــن عــــــدوه
فطيــــب تــــراب القبــــر دل علــــى القبــــر
ومن شعر الرثاء عند بشار قصیدة یرثي فیها صاحباً له یقول فیها:
كـــــان لـــــــي صــــاحباً فــــأودى بـــــــه الــــدهر
وفارقتــــــــــــــــه عليــــــــــــــــه الســــــــــــلام
يــــا ابـن موســى فقــــد الحبيــــب علـى العــــين
قـــــــــــذاة وفـــــــــــي الفـــــــــــؤاد ســـــــــــقام
كيـــــــــف يصـــــــــفو لـــــي النعـــيم وحيـــــــداً
والأخــــــــــلاء فــــــــــي المقــــــــــابر هــــــــــام
نفســـــــــــــــتهم علــــــــى أم المنايــــــــــــــــــــا
فأنـــــــــــــــامتهم بعنـــــــــــــــف فنــــــــــــاموا
لا يقـــــــــــيض انســـــــجام عينــــــي علــــــــيهم
إنمــــــــــا غايــــــــــة الحــــــــــزين الســــــــــجام.