0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج الدراسية بواسطة (4.2مليون نقاط)

الفخر في الشعر الجاهلي، تعريف الرثاء لغة واصطلاحًا، تعريف الهجاء لغة واصطلاحاً. 

الفخر؟ 

الفخر هو التغني بالفضائل والمثل العلیا، والتباهي بالسجایا النفسیة، والصفات القومیة والزهو بالفعال الطیّبة، والفخر هو مدحك نفسك بالطهارة، والعفاف، والحلم، والحسب، وما یجري مجراها.

الافتخار هو المدح إلا أن الشاعر یخص به نفسه وقومه، وكل ما حسن في المدح حسن في الافتخار. وكل ما قبح في المدح قبح في الافتخار. 

ولذلك أحادیث المرء عنده هو حدیثه عن نفسه، وخصاله، وفعاله من الشجاعة، والكرم، والمروءة، وحمایة الجار، طیب المنبت، وعراقة الأصل، وكثرة المال، والولد، إلى غیر ذلك مما یزهو به الإنسان، ویختال به على غیره، وهذا النوع من الفخر یعرف بالفخر الذاتي، ولعل خیر من یمثله في العصر الجاهلي، عنترة بن شداد العبسي، فكم فاخره الذاتیة تمثل نزعة الإنسان العصامي، الذي یؤمن بعمله وما یقوم به من خیر، ویتباهى به، حیث قامت مفاخره على التجرد من العصبیة بأشكالها، فهو على النقیض من مفاخر الشعراء الجاهلیین، ولعل مرد ذلك أنه كان عبداً، وكان فارساً شجاعاً، سخیاً بكل ما یملكه، فذاتیته هي محور مفاخرة ونلمس ذلك في قوله

أثنـــــــــى علـــــــــى بمــــا علمــــــــتِ فـــــــــإنني

ســــــــمح مخــــــــالفتي إذا لــــــــم أظلــــــــم

يخبــــــــرك مــــــــن شــــهد الوقيعــــــة أننــــــــي

أغشـــــى الـــــوغى وأعـــــف عنـــــد المغـــــنم

وإذا شــــــــــــــربت فــــــإنني مســــــــــــــتهلك

مــــــالي وعرضـــــــي وافــــــر لـــــــم يكلـــــــم

وإذا صـــــحوت فمــــــا أقصـــــر عنــــــد نــــــدى

وكمـــــــا علمـــــــت شـــــــمائلي وتكرمـــــــي

ومن الذین انتهجوا هذا النهج من شعراء العصر العباسي، بشار بن برد، فقد افتخر بنفسه في قوله

ونبئــــــــــت قومــــــــــاً بهـــــــــــــم جنـــــــــــــة

يقو لـــــــــون مـــــــــن ذا وكنـــــــــت العلـــــــــم

ألا أيهــــــــــــــــا الســــــــــــــــائلي جـــــــــــــاهلاً

ليعرفنــــــــــــي أنــــــــــــا إلــــــــــــف الكـــــــــرم

نمــــــــت فــــــــي المكــــــــارم بــــــي عــــــــامر

فروعــــــــي وأصــــــــلي قــــــــريش العجــــــــم

وإنــــــــــــي لأغنـــــــي مقــــــــــــام الفتـــــــــــى

وأصــــــــــبي الفتــــــــــاة فــــــــــلا تعتصــــــــم

فهو یفتخر بمكانته بین قومه، وأنه علم غني عن التعریف، ویصف سائله بالجهل لأنه لم یعرفه وأن مكارم الأخلاق من أصله وفروعه، فهي موروثة عنده، ویحسن الفخر إذا كان الشاعر یمتدح بالفضائل النفیسة والخصال الخلقیة بعیداً عن التباهي بالأمور المادیة، والقوة الجسدیة أو التفاخر بالأنساب، والأصول والقبائل، لذلك فخیر الفخر ما كان تغنیاً بالفضائل، وتمدّحاً بالمثل العلیا، ولا مجاوزة للمألوف، ولذلك استحسن قول حاتم الطائي لأنه تعبیر عن واقع مألوف وحقیقة صادقة

أمـــــــا والــــــــذي لا يعلـــــم المعـــراج غيـــره

ويحــــي العظــــام البــــيض وهــــي رمــــيم

لقـــــد كنـــــت أطـــــوى الــبطن والــزاد يشــتهي

مخافـــــــــة يومـــــــــاً أن يقـــــــــال لئـــــــــيم

وقد دارت قصائد الفخر حول الشجاعة والبأس والنجدة وإجارة المولى، وإطعام الفقراء، وإكرام الضیف، وبذل المال، والإیثار، ولا یخلو الشعر الجاهلي من بعض القصائد التي بها غلو ومجاوزة لحدود المعقول، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم في معلقته الشهیرة

ملأنــــــــا البــــــــر حتــــــــى ضــــــــاق عنــــــــا

ومــــــــــاء البحــــــــــر نملــــــــــؤه ســــــــــفينا

إذا بلــــــــــغ الفطــــــــــام لنــــــــــا صــــــــــبي

تخــــــــــر لــــــــــه الجبــــــــــابر ســــــــــاجدينا

والفضائل التي یفاخر بها الشاعر، وینافس بها غیره من الشعراء، والقبائل هي نفسها التي یمتدح بها الملوك، وعِلْیِة القوم، شاكراً أو متكسباً.

والفخر من أدلّ فنون الأدب على فطرة الإنسان، هو ذكر المزایا الحسنة، ووصف الشمائل الكریمة التي یحسها الشاعر في نفسه، أو فیمن یفتخر بهم، وقد افتخر معظم الشعراء إن لم یكونوا كلهم على مر العصور بمقدراتهم الشعریة، ومن الشعراء العباسیین الذین طرقوا هذا الباب أبو تمام وقد قال

كمــــــــا علــــــــم المستشــــــــعرون بــــــــأنهم

بطــــاء عــــن الشــــعر الــــذي أنــــا قاصــــده

ومن قصائده في الفخر قصائد یصور فیها مكارم قومه ومحامدهم یقول

أنـــــا ابـــــن الـــــذي استرضـــــع الجـــود فــيهم

وســـــــمي فـــــــيهم وهـــــــو كهـــــــل ويــــافع

مضـــــــــوا وكـــــــــأن المكرمـــــــــات لـــــديهم

لكثــــــــرة مــــــــا أوصــــــــوا بهــــــــن شـــــرائع

بهاليـــــــل لـــــــو عاينـــــــت فـــــــيض أكفهــــم

لأيقنــــــت أن الــــــرزق فــــــي الأرض واســــــع

ولما كان الفخر بالقوم وصفاتهم من أمیز فنون الفخر في العصر الجاهلي، والأموي، والعباسي، فهذا بشار بن برد یفخر بقیس موالیه، وما یذیقونه أعداءهم من بأس شدید

إذا الملـــــــــك الجبــــــــــار صـــــــعر خــــــــــده

مشــــــــــينا إليــــــــــه بالســــــيوف نعاتبــــــــــه

وكنـــــــــــــا إذا دب العـــــــــــــدو لســـــخطنا

وراقبنــــــــــا فـــــــي ظاهريــــــك نراقبـــــــــــه

ركبنــــــــا لـــــــــه جهـــــــــراً بكـــــل مثقــــــفٍ

وأبــــــــيض تستســــــــقي الــــدماء مضـــــاربه

كذلك قوله یفتخر بقیس بن مضر؟

إذا مـــــــــا غضـــــــــبنا غضـــــــــبةً مضـــــــــرية

هتكنـــــا حجـــــاب الشـــــمس أو تقطــر الـــــدّما

إذا مــــــــا أعرنــــــــا ســــــــيداً مــــــــن قبيلــــة

ذرى منبـــــــــــرٍ صــــــــلى علينـــــا وســـــــــــلما

ومن الشعراء البدو ناهض بن ثومة، الذي افتخر بقومه مبیناً مدى شجاعتهم وذكر أنهم هزموا بني نمیر بكتائبهم القویة وجعلوا رؤوسهم طعاماً للسباع بین الجبال یقول:

ألا هـــــل أتـــــى كعبـــــاً علـــــى نـــــأي دارهـــــم

وخـــــــذلانهم أنـــــــا ســـــــررنا بنــــي كعـــــــب

بمــــــــا لقيــــــــت منّ ــــــــا نميــــــــر وجمعنـــــا

غــــــــداة أتينــــــــا فــــــــي كتائبنـــــا الغلـــــب

فيـــــا لـــــك يومـــــاً بـــــالحمي لا نـــــرى لـــــه

شــــبيهاً ومــــا فــي يــوم شــــيبان مــــن عتــــب

أقامــــــت نميـــــــر بــــــالحمى غيـــــر رغبـــــــة

وكـــــان الـــــذي نالـــــت نميـــــر مـــــن النهـــــب

رؤوس أوصــــــــــــــال يزايــــــــل بينهــــــــــــــا

ســــــباع تـــــــدلت مـــــــن أيـــــــانين هضـــــب

لنــــــــا دفعــــــــات فــــــــي نميــــــــر تتابعـــــت

بضـــــــــــيم ونكـــــــــــب علـــــــــــى نكــــــــب

ومن الفخر الذاتي عند العباسیین الذي نلمح فیه أثر البیئة البدویة مع جزالة الألفاظ وجمال التشبیه قول ابن هرمة:

إنـــــــــــي وتركـــــــــــي نــــــدى الأكـــــــــــرمين

وقـــــــــدحي بكفـــــــــي زنـــــــــداً شـــــــــحاحاً

كتاركـــــــــــــــــة بيضـــــــــــــــــها بـــــــــــالعراء

وملبســـــــــة بـــــــــيض أخـــــــــرى جناحـــــــا

فهو یفتخر بأن الكرم شیمة متأصلة في ذاته. مؤكداً فكرته بالتشبیه الوارد في البیتین قائلاً : یستحیل أن یترك ندى الأكرمین، وشبه نفسه بأنثى الطائر، فهي لا تترك بیضها لتحضن بیض أخرى، ومن شعر الفخر الذي جمع بین حسن الشمائل واصطناع الحكمة قول على بن جبلة العكوك:

وكـــــم رميـــــة للـــــدهر فـــــي بـــــاب مـــــأمن

جعلــــــت مجنــــــي دون مكروههــــــا صــــــبري

أذود منـــــــى نفســـــــي جهيـــــــداً وعفتـــــــي

إذا حملــــت غيــــري علــــى المركــــب الــــوعر

فالفخر في العصر العباسي كما رأینا طرق الموضوعات نفسها التي طرقها الشعر في العصور السابقة له، فلم یكن هناك مجال للتجدید إلا في الإكثار من العصبیة، والمبالغة، والغلو، وتلك كانت من دواعي العصر لِمَا كان فیه من تمازج بین مختلف الأجناس والثقافات.

الرثاء؟

الرثاء هو ذكر مآثر المیت، ووصف الحزن علیه، والجزع لفقده وبیان مكانته، وأثره في مجتمعه الذي یعیش فیه، وهو من أقدم الأغراض الشعریة، فالقدماء كانوا یرثون الخلفاء، والقواد والأصدقاء الذین تربطهم بهم علاقات إنسانیة، وقد تبعهم في ذلك أغلب شعراء العصر العباسي.

ومن أنواع الرثاء الندب، وهو البكاء والتفجع على المقربین من نفس الشاعر من أقارب، وأباعد، والتأبین وهو أقرب إلى الثناء منه إلى الحزن الخالص، وهو أشبه بالمدیح لما فیه من ذكر محاسن المیت، والعزاء وهو مواساة أهل البیت، وإرسال النصح، والإرشاد لهم.

ولعل خیر المراثي وأطرفها هي التي قالها الشعراء في رثاء أنفسهم، عند إحساسهم بدنو أجلهم، أو وقوعهم في شدة، أو أثر، أو مرض، وكثیر من الشعراء ذكروا الموت، وناحوا على أنفسهم، وأوصوا أهلهم بما یفعلونه بعد موتهم، وأرسلوا خیالهم في ما سیكون من أمرهم بعد الموت، ومن ذلك قول المتلمس الضبعي:

خليلـــــــي إمـــــــا مـــــت يومـــــــاً وزحـــــزت

مناياكمــــــــــا فيمــــــــــا يزحزحــــــه الـــــدهر

فمــــــرا علــــــى قبــــــري فقومــــــا فســــــلما

وقـــــولا ســـــقاك الغيـــث والقطــر يــا قبـــــر

كـــــأن الـــــذي غيبـــــت لـــــم يلـــــه ســـــاعة

مـــــــن الـــــــدهر والـــــــدنيا لهــــاورق نضــــر

فالشاعر یستوقف صاحبیه ویطلب منهما أن یُسلّما على قبره، إذا مرا به یدعوان له بالسقیا، والرثاء حزن، وبكاء، ولوعة، وتفجع، لذلك كان طبیعیاً أن یكثر في هذا الغرض الحدیث عن العین، والدموع وغزارتها، وقد سبق إلیه من شعراء العصر الجاهلي الشاعر عدي بن زید إذ یقول:

ومـــــــــــــا لـــــــــــــي ناصـــــــر إلا نســــــــــاء

أرامـــــــل قـــــــد هلكـــــــن مـــــــن النحيــــب

يحـــــــــــدرن الـــــــــــدموع علــــــى عـــــــدي

كشــــــــــنٍ خانــــــــــه خــــــــــرز الربيــــــــــب

ومن قصائد الرثاء المشهورة في العصر العباسي قصیدة للحسین بن مطیر في رثاء معن بن زایدة، وهي من أشهر، وأقوى قصائد الرثاء في الشعر العربي، حتى أن ممدوحي الشاعر كانو یغارون من هذه القصیدة التي یقول فیها:

ألمـــــــــا علـــــــــى معـــــــــنٍ وقــــولا لقبـــــــره

ســـــــقتك الغـــــــوادي مربعـــــــاً ثــــم مربعـــــا

فيــــــــا قبــــــــر معــــــــن أنــــــت أول حفـــــرةٍ

مــــــن الأرض خطــــــت للســــــماحة مضــــجعا

ويــــــا قبــــــر معــــــن كيـــف واريــــت جـــودة

وقــــــد كــــــان منــــــه البـــر والبحــــر مترعـــا

بلــــى قــــد وســــعت الجــــود والجــود ميــــت

ولـــــو كـــــان حيـــــاً ضـــــقت حتـــــى تصــدعا

فتــــــى عـــيش فــــــي معروفـــه بعـــد موتــــــه

كمـــــا كـــــان بعـــــد الســـــيل مجـــراه مرتعـــا

نلاحظ أن الشاعر جعل رثاءه من خلال مخاطبة القبر الذي توسده معن، واستطاع أن یستأثر عاطفة السامع من خلال ما تضمنه المعاني، وهذه المرثیة جعلته في مصاف كبار الشعراء ومن ثم فقد عُدّ من بین المحدثین من شعراء العصر العباسي.

وقد أجاد الشاعر مسلم بن الولید في الرثاء إجادته في المدیح، وأحیاناً تبدو بعض المراثي عند مسلم عذبة الإیقاع، قلیلة الأحزان، وتكون أقرب إلى مدح حي منها إلى بكاء میت، ومن هذا الضرب مرثیته التي یقول فیها:

حلـــــــــو الشـــــــــمائل مـــــــــأمون الغوائـــــــــل

مـــــــــــــأمول النوافــــــــــــــل زنـــــــــــده واري

الله ألبســــــــــه فــــــــــي عــــــــــود مغرســـــه

ثيـــــــاب حمـــــــدٍ نقيـــــــات مـــــــن العـــــــار

ولولا علمنا بأن هذه القصیدة في الرثاء لصنفناها من قصائد المدیح، وهذا الأسلوب شبیه بأسلوب الخنساء في رثائها لأخیها؛ 

المجـــــــــد حلتـــــــــه والجـــــــــود علتـــــــــه

والصــــــــدق حوزتــــــــه إن قرنــــــــه هابــــــا

خطـــــــــاب محفلـــــــــة فـــــــــراج مظلمــــــة

إن هـــــــاب معضـــــــلة أتـــــــى لهـــــــا بابــــا

ومن أجود الأبیات في الرثاء قول مسلم بن الولید:

أرادوا ليخفـــــــــوا قبـــــــــره عـــــــــن عــــــدوه

فطيــــب تــــراب القبــــر دل علــــى القبــــر

ومن شعر الرثاء عند بشار قصیدة یرثي فیها صاحباً له یقول فیها:

كـــــان لـــــــي صــــاحباً فــــأودى بـــــــه الــــدهر

وفارقتــــــــــــــــه عليــــــــــــــــه الســــــــــــلام

يــــا ابـن موســى فقــــد الحبيــــب علـى العــــين

قـــــــــــذاة وفـــــــــــي الفـــــــــــؤاد ســـــــــــقام

كيـــــــــف يصـــــــــفو لـــــي النعـــيم وحيـــــــداً

والأخــــــــــلاء فــــــــــي المقــــــــــابر هــــــــــام

نفســـــــــــــــتهم علــــــــى أم المنايــــــــــــــــــــا

فأنـــــــــــــــامتهم بعنـــــــــــــــف فنــــــــــــاموا

لا يقـــــــــــيض انســـــــجام عينــــــي علــــــــيهم

إنمــــــــــا غايــــــــــة الحــــــــــزين الســــــــــجام. 

3 إجابة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
وفي هذه الأبیات نجده یبكي صاحبه بكاءً شدیداً، ویذرف الدمع غزیراً، ولا یحس بنعیم الحیاة وهو وحید وصدیقه في القبر وشبه فقد الحبیب كأنه قذاة في العین، وسقام في القلب.

أما أبو العتاهیة فله شعر في الرثاء منه قصیدته في رثاء على بن ثابت یقول فیها:

ألا مـــــــــن لـــــــــي بأنســـــــــك يـــــــا أخيــــــا

ومــــــــن لــــــــي أن أبثــــــــك مــــــــا لــــــــديا

طوتــــــك خطــــــوب دهــــــرك بعــــــد نشـــــــرٍ

كــــــــــذلك خطوبــــــــــه نشــــــــــراً وطيــــــــا

فلــــــــو نشــــــــرت قــــــــواك لــــــــي المنايـــا

شـــــــكوت إليـــــــك مـــــــا صـــــــنعت إليـــــــا

بكيتـــــــــك يـــــــــا علـــــــــى بــــدمع عـــــــين

فمـــــــا أغنـــــــى البكـــــــاء عليـــــــك شـــــــيّا

كفـــــــى حزنـــــــــاً بـــــــــدفنك ثــــــم إنـــــي

نفضـــــــت تـــــــراب قبـــــــرك مـــــــن يــــــديا

وكانـــــــت فـــــــي حياتـــــــك لـــــــي عظـــات

وأنـــــــت اليـــــــوم أوعـــــــظ منـــــــك حيــــا

فنرى في رثائه بعض الحكمة ولم یغنه البكاء عن فقده فزاد حزنه علیه، فقد كان قریباً إلى قلبه بعظاته له وهو الیوم یرى العبرة والعظة بموته، وأبو نواس فقد تناول الرثاء بأنواعه في عزائه للفضل بن الرشید بقوله:

تعــــــزى أبــــــي العبـــاس عــــــن خيـــر مالــــكٍ

بـــــــأكرم حـــــــي كـــــــان أو هـــــــو كـــــــائن

حــــــــــــوادث أيــــــــــــام تـــــدور صــــــــروفها

لهــــــــــن مســــــــــاوٍ مــــــــــرة ومحاســــــــــن

وفــــي الحــــي بالميــــت الــــذي غيــــب الثـرى

ولا أنــــــت مغبــــــون ولا المــــــوت غــــــابن

ففي عزائه نجده وصف المرثي بأنه خیر الناس والمعزي بالكرم وتحدث عن حوادث الدهر ومساویها ومحاسنها وواساه وخفف عنه مصابه، وهذا أسلوب تقلیدي في العزاء، ومن الأسالیب القدیمة أیضاً نجده یرثي نفسه بقوله؛

دبّ فـــــــي الّالســـــــقا مســـــــفلاً وعلــــــــواً

وارانــــــــــي أمـــــــــــوت عضــــــواً فعضـــــوا

لـــــــيس مـــــــن ســـــــاعة مضـــــــت لــي إلا

نقصـــــــــــــتني بمـــــــــــــدها بــــي جــــــزوا

ذهبــــــــــت جــــــــــدتي بطاعـــــــــة نفســي

وتـــــــــــــــــذكرت طاعـــــــة الله رضــــــــــوا

لهــــــــف نفســــــــي علـــــى ليــــــالٍ وأيــــام

تمليـــــــــــــــــــــتهن لعبــــــــــاً ولهـــــــــــــواً

قـــــــــــــد أســــــــــــــأنا كــــــــل الإســــــــــاة

فـــــــاللهم صـــــــفحاً عنـــــا وغفـــراً وعفـــواً

وهنا یرثي نفسه، وكیف أن الأیام مضت بشبابه ویتحسر على الأیام التي قضاها في اللهو واللعب، ویطلب العفو والغفران من الله سبحانه وتعالى ومن یقرأ هذه الأبیات.

یحس أن الشاعر أصبح قاب قوسین من الموت وهو یبكي شبابه الذي أضاعه في طاعة نفسه، ومن روائع أبي تمام في الرثاء قصیدته في رثاء محمد بن حمید الطوسي التي عدد فیها مآثره، وبكى علیه بكاء مراً، ولام كل من لم یبك على ذلك الفقد الجلل موضحاً جزعه علیه یقول فیها؛

كـــــذا فليجـــــل الخطـــــب وليفـــــدح الأمـــــر

فلـــــيس لعـــــين لـــــم يفـــــض ماؤهـــا عـــــذر

فتـــــى كلمـــــا فاضــت عيـــــون قبيلــة دمـــــاً

ضـــــــحكت عنـــــــه الأحاديـــــــث والـــــــذكر

فتــــــى دهــــــره شــــــطران فــي مـــا ينوبـــــه

ففـــــي بأســـــه شـــــطر وفـــي جـــــوده شـــطر

وفي العزاء یقول معزیاً محمد بن سعید بإبنه:

أمحمـــــد ابـــــن ســـــعيد إن أســـــى الفتـــــى

فيهـــــــــا دواء الحـــــــــر يـــــــــوم ظمائـــــــــه

أنــــــــت الــــــــذي لا تعــــــــزل الــــــــدنيا إذا

مـــــا النائبـــــات صـــــفحن عـــــن حوبائـــــه

لــــــو كــــــان يغنــــــي حــــازم عــــن واعــــــظٍ

كنـــــــــت الغنـــــــــي بحزمـــــــــه وذكائـــــــــه

حتى قال:

إن لا يعـــــــــــــزى جازعـــــــــــــاً بحميمــــــــه

حتــــــــــــــى يعــــــــــــــزى أولاً بعزائــــــــــه

فهو یمدحه ویخفف عنه، ویرى أن حزمه وذكاءه یغنیه عن الوعظ، فهو انتهج الطریقة المألوفة في العزاء لدى الشعراء، ومما أُستحدث في الرثاء في العصر العباسي إخراج الرثاء مخرج الفكاهة، وظهر أیضاً رثاء المدن ورثاء الحیوان، یقول أبو نواس في رثاء كلب له لسعته حیة فمات:

يـــــــا بـــــــؤس كلبـــــــي ســـــــيد الكـــــــلاب

قـــــــد كـــــــان أغنـــــــاني عـــــــن العقـــــــاب

أصـــــــــفر، قـــــــــد خـــــــــر ج بــــــــــالملاب

كأنمــــــــــــــــا يــــــــــــــــدهن الزريــــــــــــــاب

فبينمــــــــا نحــــــــن بــــــــه فــــــــي الغــــــاب

إذ بــــــــــــــرزت كالحــــــــــــــة الأنيــــــــــــــاب

فعلقــــــــــــــــت عرقوبــــــــــــــــه بنــــــــــــاب

لــــــم تــــــرع لــــــي حقــــــاً ولــــــم تحــــــاب

لا أبـــــــــتُ إن أبـــــــــتِ بـــــــــلا عقـــــــــاب

حتــــــــى تــــــــذوقي أوجــــــــع العــــــــذاب

وطریقتهم هي طریقة من سبقوهم في اختیار الألفاظ، وإظهار الحزن، والتعبیر عن إحساسهم إزاء فقدهم الجلل، وإن جددوا في بعض الموضوعات فقد التزموا بالقدیم.
0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
الهجاء؟

الهجاء لغة: هجاه یهجوه هجواً وهجاه شتمه بالشعر وهو خلاف المدح.

واصطلاحاً : هو تعبیر عن عاطفة السخط، تجاه شخص تبغصه، أو جماعة تنتقم منها، والشاعر الهاجي یُنفّس بأهاجیه عما یعْتلجُ في صدره من ضغائن وأحقاد، ولذلك كان الهجاء سلاحاً من أسلحة الشاعر یضعف الشاعر به خصومه معنویاً، والهجاء إذا لم یسلب الصفات المستحسنة التي تختص بالنفس ویثبت الصفات المستهجنة، لم یكن مختاراً، والاختیار أن یُنسب المهجو إلى اللؤم، والبخل، والشره، وما أشبه ذلك.

ویقول صاحب الوساطة [الهجاء أبلغه ما جرى مجرى الهزل والتهافت، وما اعترض بین التصریح والتعریض، وما قربت معانیه، وسهل حفظه، وأسرع علوقه بالقلب، ولیس للشاعر فیه إلاّ إقامة الوزن وتصحیح النظم].

ویتمیز الهجاء الجاهلي بخصائص أبرزها قِصر قصائد الهجاء، فأكثره مقطوعات وأبیات، فیرون أن قِصر الهجاء وعفته هما أول أسباب رواجه وشهرته والعفة أمر ظاهر في هذا الشعر، فلم ینحدر إلى شعرهم أقرب إلى اللوم، والعتاب، منه إلى البذاءة، أما نشأة الهجاء فقد كانت مرتبطة بالعصبیة القبلیة، وما تثیره من حروب وأحقاد، فالشاعر هو لسان القبیلة الذي یدافع عنها ویهجو خصومه، لذلك نجد الهجاء مرتبطاً بالفخر من ناحیة، وبالمدیح من ناحیة أخرى، فهو یكون مرتبطاً بالفخر حین یكون هجاءً

قبلیاً، ومرتبط بالمدیح حین یتوجه الشاعر إلى مدیح شخص یرجو نواله، فیعرّض بخصوم ممدوحه وینال منهم، فیقیم هجاءه على عنصر المفاضلة، وهذا أشذ أنواع الهجاء وأقبحه، ولذلك نهى سیدنا عمر بن الخطاب الحطئیة عن الهجاء المقذع، وقد سأله الحطیئة فأجاب: أن تقول هؤلاء

أفضل من هؤلاء وأشرف، وتبني شعراً على مدحِ قوم والذم لمن تعادیهم، وكان الحطیئة قد مدح بغیضاً وهجا الزبرقان بقوله:

مـــــا كــــــان ذنـــــب بغــــــيض أن رأى رجــــــلاً

ذا فاقـــــة عـــــاش فــــــي مســـــتوعر شــــــاسٍ

جـــــــاراً لقــــــــومٍ أطــــــــالوا هــــــــون منزلــــه

وغــــــــــادروه مقيمــــــــــاً بــــــــــين أرمــــــاسِ

ملــــــــــــوا قــــــــــــراه وهرتـــــــه كلابهـــــــــــم

وجرحــــــــــــــوه بأنيــــــــــــــابٍ وأضــــــــــراسٍ

ومن الهجاء اللاذع قول زهیر بن أبي سلمى یهجي آل حصن:

ومــــــــــــا أدري وســــــــــــوف إخـــــــــال أدري

أقــــــــــــوم آل حصــــــــــــن أم نســــــــــــاء

ومن العجیب تصنّعه أنه قد تحیّر في الأمر، ولم ینته بعد إلى رأي حاسم أرجال هم أم نساء، ولو رماهم مباشرة بأنهم نساء، لكان هذا مجرد سباب ولضاع تهكمه الساخر، فهو تارة ینظر إلیهم فیجدهم في الظاهر رجالاً، لهم هیئة الرجال ولحي الرجال، ولكن ینظر إلیهم فیجدهم من الغدر وقلة الوفاء، فیراهم أقرب إلى طبیعة النساء وقوله: وسوف إخال

أدري یزید من لذع الاستهزاء، ومعناه أنه سیواصل البحث عن حقیقة أمرهم، وفي العصر العباسي ظهر مثل هذا النوع من الهجاء الذي نهى عنه سیدنا عمر

بن الخطاب إضافة للهجاء الساخر وممن اشتهر في هذا المجال الشاعر بشار بن برد وكان القوم یخافون لسانه فیشكونه إلى بردٍ أبیه فیضربه ضرباً شدیداً، فكانت أمه تقول: لم تضرب هذا الصبي الضریر أما ترحمه فیقول: ویلي والله إني لا أرحمه فإنه یتعرض للناس فیشكونه إلى، فسمعه بشار فقال: یا أبتِ إن هذا الذي یشكونه مني إلیك هو قول

الشعر، وإني إن ألممت علیه أغنیتك وسائر أهلي فإن شكوني إلیك فقل لهم ألیس الله یقول: لیس على الأعمى حرج، فلما عاودوا شكواه قال لهم برد ما قاله بشار فانصرفوا وهم یقولون: فقهُ بردٍ أغیظ لنا من شعر بشار ومن ذلك قوله في یعقوب بن داؤود وهو من الموالي، وقد استوزره الخلیفة المهدي وسلمه جمیع الأمور، واشتغل باللهو یقول فیه:

يــــا أيهــــا النــــاس قــــد ضــــاعت خلافــــتكم

إن الخليفــــــــــة يعقــــــــــوب بــــــــــن داؤود

ضـــــاعت خلافـــــتكم يـــــا قـــــوم فالتمســـوا

خليفــــــــة االله بـــــــــين الــــــــزق والعـــــــــود

وقد نظم مسلم بن الولید نقائض في الهجاء شبیهة بنقائض جریر والفرزدق، فهجاؤه لا یخرج عن أغراض القدماء ومعانیهم، ومن أشد أنواع الهجاء إیجاعاً، قوله في میاس:

ميـــــاس قـــــل لــي أيـــــن أنـــــت مــن الــورى

لا أنــــــــــــت معلــــــــــــوم ولا مجهــــــــــــول

لـــــــو كنـــــــت مجهـــــــولاً جعلتـــــك معلمــاً

أو كنــــــــت معلومــــــــاً لقالــــــــك غــــــــول

أمـــــــا الهجـــــــاء فــــدق عرضــــك دونـــه

والمـــــدح عنــــــك مــــــا علمــــــت جليــــــل

فاذهـــــــب فأنـــــــت طليـــــق عرضــــك إنـه

عـــــــرض عـــــــززت بـــــــه وأنـــــــت ذليــــل

ومن أنواع الهجاء القدیمة الذي أُثبت فیه بخل المهجو إن كان موسراً، أو فقیراً قول مسلم أیضاً

لــــــــو أن كنـــــــــز العبـــــــــاد فــــــي يــــــده

لــــــــــم يــــــــــدع الاعتــــــــــذار بالعــــــــــدم

ومن معانیه النادرة والجدیدة في الهجاء الساخر قوله في رجل یصف قبح وجهه وخلقه:

قبحـــــــــت منـــــــــاظره فحــــــين خبرتـــــــــه

حســــــــنت منــــــــاظره لقــــــــبح المخبــــــــر

وقد كان همّ شعراء الهجاء الانتقاص والنیل من خصومهم، وإضحاك الناس علیهم، ولذلك كان جریر وهو من أعلام الهجاء یوصي بقوله إذا هجوت فأضحك، ومن ذلك قوله في هوان تغلب؛

لــــــــو أن تغلــــــــب جمعــــــــت أحســــــــابها

يـــــــوم التفاضـــــــل لـــــــم تــــزن مثقـــــــالاً

ویقال أن بشاراً كان یُعد أشد ما هُجي به قول حماد عجرد الذي عمد إلى عنصر الإضحاك من المهجو:

ويــــــــــــــا أقــــــــــــــبح مـــــــــــن قـــــــردٍ

إذا مــــــــــــــــــا عمــــــــــــــــــي القــــــــــرد

ومن أشعار أبي تمام في الهجاء التي اتبع فیها الطریقة التقلیدیة قوله یهجو عبدالله الكاتب، ومن الواضح یقول:

لا تفــــــتكن علــــــى الكــــــؤوس بشــــــربها

فهـــــــي التـــــــي باتـــــــت بعقلــــك تفتـــك

يكفيـــــــك خزيـــــــاً أن عقلـــــــك ذاهـــــــب

يبكـــــــي عليـــــــك وأن وجهــــك يضــــحك

ومثل هذا النوع یصنف من أنواع الهجاء اللاذع، الذي وجد عند زهیر بن أبي سلمى، وقد أظهر نوع آخر من الهجاء الساخر، یعتمد على تولید المعاني واستقصائها، ومثال ذلك قول بشار في رجل ثقیل یسمى أبو سفیان ویصفه بأنه أثقل من الأمانة التي تحملها الأرض یقول فیه:

ربمـــــــــــا يثقـــــــل الجلـــيس وإن كـــــــــــان

خفيفــــاً فــــــــي كفــــــــــــــة الميــــــــــــــزان

كيــــــــــــــف لا تحمــــــــــــــل الأمانـــــة أرض

حملـــــــــــــت فوقهـــــــــــــا أبــــــا ســــــــفيان

أما أبو نواس فقد حاول أن یجدد في الهجاء، ومن أهاجیه نوع تمسك فیه بالأوضاع التقلیدیة منه قوله في الفضل بن العمید الرقاشي:

أمــــــــــات الله مــــــــــن جــــــــــوع رقاشـــــــــا

ولــــــــــو أشــــــــــممت موتــــــــــاهم رغیفــــــــاً

فلـــــــولا الجــــــــوع مـــــــا ماتــــــــت رقــــــاش

وقــــــــد ســــــــكنوا القبــــــــور إذن لعاشــــــــوا

وقد حاول شعراء العصر العباسي أن یجددوا في الهجاء، فظهر لون تمیز بالسخریة الشدیدة، والإیذاء المؤلم، وامتاز الهجاء بأنه أصبح شعر مقطوعات قصیرة، ولیست قصائد مطولة كما كان الهجاء في العصور القدیمة، وقد شاع الهجاء كذلك، وكما مدح الشعراء المدن نجدهم هجوها أیضاً، إذن فالاتجاه التقلیدي عندهم في الهجاء تمثل في شكل القصیدة، وصفات المهجو من بخل وشره وغیره.
0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
الحكمة؟

الحُكْم في اللغة: العلم والفقه قال تعالى: (وَآتَیْ نَاهُ الْحُكْمَ صَبِیّاً)، (مریم:١٢) أي علماً وفقهاً، والحكم العلم والفقه، والقضاء، والعدل، وهو مصدر حكم یحكم، وفي الاصطلاح هي المواعظ، والأمثال التي ینتفع بها الناس، وفي الحدیث (إن من الشعر لحكما)، أي إن في الشعر كلاماً نافعاً، یمنع من الجهل، والسفه، وینهي عنهما، وهو بمعنى الحُكْم ومنه الحدیث: (الخلافة في قریش والحكم في الأنصار)، خصهم بالحكم لأن أكثر فقهاء الصحابة فیهم.

والحكمة بالجاهلیة دلیل على رقي عقلیة الشعراء، وتفكیرهم، وتأملهم في قضایا الناس، والحیاة، وهي ثمرة تجارب كثیر ة ومعرفة بالناس وأخلاقهم، والماضین ومصائرهم، وتأمل في سعي الإنسان، وغایته، ونهایته.

والحكمة الجاهلیة جاءت حقائق مجردة تملیها التجربة والفطرة السلیمة، ومثلهم العلیا السائدة في عصرهم، فقد كانت أفكارهم صدىً لهذه التأملات والمشاهدات، تصاغ في بیت شعر، أو عبار ة أنیقة، موجزة، غزیرة المعنى ذات دلالات بعیدة، فیقبل علیها السامعون یروونها، ویحفظونها، وتغدوا أمثالاً تجري على الألسنة على مر العصور، وقد وجدوا لها قبولاً في أنفسهم فكُتب للحكمة بذلك البقاء، وقد جاءت الحكمة عندهم على قدر كبیر من النضج العقلي، فقد استفادوا من خبرة الماضین، وأخبار الملوك، والأمم البائدة، فاضت الحكمة على ألسنة الكثیرین من العرب، ففیهم العقلاء الذین تفجرت ینابیع الحكمة على ألسنتهم، فعرفوا بالحكماء، فالحكمة ضاربة في تاریخ الإنسانیة منذ وجد قابیل وهابیل، وأبت حكمة هابیل أن تشهر سیفها في وجه أخیه، لأن رجاحة العقل هضمت سفاهة العقل وطیشه.

ومن الشعراء الجاهلیین هنالك من نظر واعتبر بالماضیین ولجأوا إلى الله سبحانه وتعالى كما فعل لبید وزهیر. فحكم لبید منثورة في قصائد كثیرة تأتي في نعمة روحیة صافیة في تسبیح الله، وتأتي في العبر والمواعظ عند ذكر الماضین، وتأتي في ثوب حزین حین یبكي ویرثي موتاه، ومن أجود قصائد لبید في الحكمة قصیدته في رثاء أخیه أربد، یسجل فیها تجاربه وخبراته في حكمه یصوغها، وأمثال یضربها، على شاكلة قوله:

بلينــــــــا ومــــــــا تبلــــى النجــــوم الطوالـــــع

وتبقـــــــــى الجبــــــــــال بعــــــدنا والمصـــــانع

قــــــد كنــــــت فـــي أكنــــــاف جـــارٍ مصــــنةٍ

وفـــــــــــــارقني جـــــــــــــار بأربــــــد نـــــــافع

فــــــــلا جــــــــزع إن فـــــــرق الـــــدهر بيننـــا

وكـــــــل فتـــــــى يومـــــــاً بـــــه الــدهر فــاجع

فــــــــــلا أنــــــــــا يـــــأتيني طريـــــق بفرحــــة

ولا أنـــــــا ممـــــــا أحـــــــدث الـــــــدهر جــــازع

فهو ینظر إلى نفسه، وإلى الناس كلهم ابناء فناء صائرون إلى بِلى وتبقى حركة الزمان خالدة مستمرة، فالنجوم طوالع، والجبال والبیوت ثابتة، وأن هؤلاء الذین أفناهم الدهر، أخوه الذي یحبه، وهو مع ذلك لا ییأس ولا یجزع على فراق أحبته ما دامت هذه سنة الحیاة، وما سلم من الدهر أحد، فهذه الأبیات للشاعر الجاهلي تنم عن نضوج عقل وتأمل وخبرة في الحیاة، قد أفاد منها شعراء العصور التي تلتهم، ففي العصر العباسي جاءت الحكمة في ثنایا القصائد، ولم تفرد لها قصائد خاصة بها، ونادراً ما نجد قصیدة أفردت للحكمة.

وشبیه بشعر الحكمة شعر الزهد، فهو یقوم على ذم الحیاة الدنیا، والتنفیر منها، والتذكیر بالموت، والحث على العمل الصالح، وكان یمثل هذا الشعر حركة مضادة لبعض مظاهر المجون والزندقة التي شاعت في العصر العباسي، وحمل لواءها أبو العتاهیة وجعلها مذهباً له، ومن أشعاره فیها قوله:

المـــــــوت حـــــــــــــق والـــــــدار فانيـــــــــــــة

وكــــــــل نفــــــــس تجــــــــزى بمــــا كســـــبت

مــــــــــــا كــــــــــــل ذي حاجـــــــة بمـــــدركها

كـــــــم مـــــــن يـــــــد لا تنـــال مــا طلبـــــــت

مـــــــــن لـــــــــم يســــعه الكفــــاف مقتنعـــــاً

ضــــــــاقت عليــــــــه الـــدنيا بمــــا رحبـــــــت

فالحكمة المستمدة من تجارب الحیاة واضحة في الأبیات، فلیس كل ما یتمناه المرء یدركه، والقناعة كنز لا یفنى، وهذه هي الطریقة التقلیدیة في بث الحكم والمواعظ.

وقد تجئ الحكمة على لسان شاعر عُرف بالمجون، واللهو، فرغم أنها تعبیر عكسي عن سلوكه في الحیاة وتكون صادقة غالباً، لأنها ولیدة تجربة قاسیة ردته إلى الصواب، مثال ذلك الحِكَم التي نجدها في أشعار أبي نواس یقول:

يـــــــا رب قـــــــد أحســـــــنت عـــــــوداً وبـــــدأة

إلــــــى فلــــــم يـــــــنهض بإحســــــانك الشـــــكر

فمـــــــن كـــــــان ذا عـــــــذر لـــــــديك وحجــــة

فعــــــذري إقــــــراري بـــأن لــيس لــــــي عـــــذر

ویقول ناصحاً؛

أرى كـــــــل حـــــــي هالكــــــــاً وابـــــــن هالـــك

وذا نســــــــــب فــــــــــي الهــــــــالكين عريـــق

إذا امــــــــتحن الـــــــــدنيا لبيـــــــــب تكشـــفت

لـــــــه عـــــــن عـــــــدو فـــــــي ثيـــاب صــديق

ویقول أبو تمام في الوعظ والتزهید:

تحـــــــاول شـــــــــيئاً قـــــد تــــولى وودعـــــا

وهيهــــــــــات منـــــــه أن يــــؤوب ويرجعـــــا

خشــــــنتعلــــــى التأديــــــب فهمـــاً ومنطقـــاً

ولنـــــــت علــــــــى الأيـــــــام ليتـــاً وأخـــدعا

فأقبلـــــــــــت الأيـــــــــــام ترتــــــاد مصــــرعا

لجســــــــمك فارتــــــــد إذ تيقنـــت مضـــــجعا

وفي حدیثه عن الدینا یقول:

أتأمـــــــــل فـــــــــي الـــــدنيا تجــــد وتعمـــــــر

وأنـــــــت غـــــــــداً فيهـــــــــا تمـــــوت وتقبــــر

تلقـــــــــــح آمــــــــــــالاً وترجــــــــو نتاجهـــــــا

وعمـــــــــرك ممـــــــــا قـــــــــد ترجيـــــه أقصـر

وهــــــــذا صــــــــباح اليــــوم ينعــــاك ضــــوؤه

وليلتـــــــــــه تنعـــــــــــاك إن كنــــت تشــــــــعر

ونجده كغیره من شعراء العصور السابقة یتأمل حركة الحیاة، ویؤمن بالفناء ویرى أن عمره أقصر من آماله فحكمته ناتجة عن وعي وإ دراك للحیاة، ومصیره المجهول فیها، وتجربته التي أفادها منها، وبشار بن برد رغم لهوه ومجونه نجده یتذكر الموت قائلاً؛

بـــــدا لـــــي أن الـــــدهر يقـــــدح فـــي الصــــفا

وأن بقــــــــــــائي مــــــــــــا حييـــــــت قليـــــــل

فعــــــش خائفــــــاً للمــــــوت أو غيــــــر خـــائفٍ

علـــــــــى كـــــــــل نفـــــــــس للحمــــام دليـــــل

خليلـــــك مـــــا قـــــدمت مـــــن عمـــــل التقــى

ولــــــــــــيس لأيــــــــــــام المنـــــون خليـــــــل

فهو یرى قرب الموت منه، ویأتي بحكمة هي أن لیس للموت خلیل، إلا العمل الصالح للإنسان، وكغیره من شعراء عصره لم یأت بالجدید في الحكمة، بل جاءت حكمة تقلیدیة ولیدة النجارب العامة. وله أبیات في الحكمة، والموعظة یقول فیها:

قســـــــت الســـــــؤال فكــــان أعظــــم قيمــــــة

مـــــــــن كـــــــــل عارفـــــــــة جــــرت بســـــؤال

فـــــــإذا ابتليـــــــت ببـــــــذل وجهـــك ســــائلاً

فأبذلــــــــــــــــه للمتكــــــــــــــــرم المفضـــــال

وإذا خشــــــــــيت تعـــــــــــذراً فـــــي بلـــــدة

فاشــــــــــدد يــــــــــديك بعاجــــل الترحـــــــال

واصــــــــبر علــــــــى غيــــــــر الزمـــان فإنهــــا

فــــــــرج الشــــــــدائد مثــــــــل حــــل عقــــــال

ومن الذین بثوا الحكمة في أشعار هم من شعراء العصر العباسي مسلم بن الولید، فهو یرى تقلب حال الدنیا، وعدم ثباتها على حال واحد یقول:

كــــــــــم رأينــــــــــا مــــــــــن ملــــوك ســــــوقة

ورأينــــــــــــــا ســــــــوقة قـــــــد ملكــــــــــــــوا

قلـــــــــــــب الـــــــــــــدهر علــــــيهم وركــــــــــاً

فاســــــــــــــتداروا حيـــــــــث دار الفلــــــــــــك

ویعتبر صالح بن عبد القدوس من أشهر شعراء الحكمة في هذا العصر، رغم أنه كان متهماً بالزندقة في زمن الخلیفة المهدي، ویكاد یذهب شعر ابن عبد القدوس كله في تقریر محاسن الأخلاق والشیم، ناظراً فیها نظرة تجریدیة، دفعته إلى تعقب حكمة العرب والعجم، حتى قالوا إن في دیوانه ألف مثل للعرب وألف مثل للعجم، وحكمته نتاج تجارب ذاتیة یقدمها في شكل وعظ یقول:

لا يعجبنـــــــــــك مـــــــــــن يصـــــون ثيابـــــــــه

حـــــــــــذر الغبـــــــــــار وعرضــــــه مبـــــــــذول

ولربمــــــــــــا افتقــــــــــــر الفتــــى فرأيتـــــــــه

دنــــــــــس الثيــــــــــاب وعرضـــــه مغســـــــول

ومن أروع قصائده في الحكمة قصیدته التي یقول فیها:

لا خيـــــــــــر فـــــــــــي ود إمـــــرئ متملـــــــــق

حلــــــــــــو اللســــــــــــان وقلبــــــه يتلهــــــــب

يلقـــــــــاك يحلـــــــــف أنـــــــــه بـــــك واثــــــق

وإذا تــــــــــوارى عنــــــــــك فهــــو العقــــــــرب

يعطيـــــــك مــــن طـــــــرف اللســـــــان حــــلاوة

ويــــــــروغ منــــــــك كمــــــــا يـــروغ الثعلــــــب

ومنها؛

واخفــــــــض جناحـــــــــك للأقـــــــــارب كلهـــــم

بتــــــــــذلل واســـــــــــمح لهــــــم إن أذنبـــــــــوا

وزن الكــــــــــــلام إذا نطقــــــــــــت ولا تكــــــــن

ثرثـــــارة فــــــــي كــــــل نــــــــــادٍ تخطـــــــــب

واحفـــــــظ لســـــــانك واحتــــرز مـــــن لفظــــــه

فــــــــــالمرء يســــــــــلم باللســــان ويعطـــــــــب

فموضوع الزهد في العصر العباسي لقى اهتماماً أكبر، و شغف بقراءة قصائده وإنشادها، ولم یعد الزهد كما في العصور السابقة مجرد میل فطري إلى الزهادة، وتقوى الله.

أو حالة من حالات الإیمان التي یصورها الشاعر. بل أصبح فكرة یعتنقها، ولایكاد یصور سواها من المشاعر والأحاسیس، وكان الدافع إلیه إضافة إلى الدافع الدیني أنه أصبح تیار معاكس لمظاهر المجون التي شاعت في العصر، فنجد الشعراء انتهجوا الطریقة القدیمة نفسها في التذكیر بالموت، وبفناء الحیاة الدنیا، ووعظهم بالإفادة من تجارب سابقیهم، وكل ما كتبوه كان ناتجاً عن تجربة ذاتیة، وفكرة ناضجة، وعقول راجحة، نلاحظ مما تقدم في هذا الفصل، أن شعر العصر العباسي، رغم مظاهر الحیاة الجدیدة التي اقتضت التجدید فیه، نجده لم یخرج عن إطار الشعر التقلیدي، وظل محافظاً علیه بفضل قوة تأثیر الشعراء البدو ورجال الدین وتشجیع الخلفاء للنظام التقلیدي في القصیدة العربیة.

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...