النبي الخاتم؟
النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، رعاه الله وحماه منذ كان في عالم الأصلاب، فقد تنقل عليه الصلاة والسلام من صلب طاهر إلى رحم طاهر حتى أُلقي بذرةً طيبةً مباركةً في رحم السيدة العفيفة آمنة بنت وهب أمه ثم رعاه الله منذ وعندما تشفى بعض المشركين في وفاة ابنه القاسم عليه السلام، أنزل الله تعالى { إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ } إلى غير ذلك من الآيات التي وفرت مدداً من الفيض الإلهي لتربية رسول الله وتأديبه وإعداده لمواجهة تبعات الرسالة ومقارعة خصومه لقد تربى رسول الله خاتم الانبياء والمرسلين في بيئة بعيدة عن معابد اليهود والنصارى وحماه الله من الوقوع في رذائل الوثنية الجاهلية، كما حماه من تحريفات وضلالات أهل الكتاب من اليهود والنصارى وأباطيل فلسفات الشرق من عبدة النارفي فارس وغيرها، لأن رسالته التي كلف بتبليغها جاءت رفضاً لكل الرذائل والضلالات والأباطيل وتصحيحاً لمسار الإنسانية كلها في الاتجاه إلى الله وتعمير الأرض طبقاً لمراد الله تعالى وخاطب القرآن المؤمنين به في كل زمان ومكان بقوله { يايها الذِينَ ءآمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزوا وَ لَعِبَا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ والكفار أَوْلِيا } فلم يجلس إلى معلم لا من العرب ولا من العجم حتى تلقى النبوة صافية مصفاة عن رب العالمين بعد أربعين سنة من التربية والتعليم والرعاية الإلهية، فكانت رسالته خاتمة الرسالات الإلهية وأكملها على الإطلاق، وناسخة لجميع الرسالات السابقة قال تعالى { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا }.
عقاب من ادعى النبوة؟
بعد انبلاج فجر النبوة ظهرت في جزيرة العرب شخصيتان إحداها في اليمن ويدعى الأسود العنسي، والأخرى في نجد ويدعى مسيلمة الكذاب، وقد كان ادعاؤهما للنبوة بدافع التطلع إلى الزعامة والتمجد حسداً منهما وغيظاً أن كانت النبوة في قبيلة ،قريش وقد استطاع اليمنيون المؤمنون التخلص من العنسي وملاحقة أتباعه وإخماد نيران الفتنة في صفوفهم، في حين أخمد الله فتنة مسيلمة الكذاب على يد جيش الإسلام المنطلق من المدينة المنورة، وفي حق مدعي النبوة والرسالة سواء كان هذين أو غيرهما في كل زمان ومكان أنزل الله آيات تنذرهم بالعذاب الشديد وتصور حالهم عند الموت وهم يلاقون الشدائد والأهوال، قال تعالى { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِى إِلَى وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّلمُونَ فِي غَمَرَتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَئكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ }.
الإعجاز العلمي في السنة النبوية؟
يعد إخبار السنة النبوية المشرفة بحقائق علمية لا يمكن تعلمها أو إدراكها بأي وسيلة بشرية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم إعجازاً علمياً، وبينة من بينات النبوة والرسالة تؤكد أن ما أخبرنا به وحي من الله تعالى علمه الله إياه، كما قال تعالى { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْى يُوحَى (٤) عَلَمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ } ثم تتأكد الحقيقة العلمية بثبوتها بوسائل العلم التجريبي في العصر الحاضر بعد مرور أكثر من أربعة عشر قرناً، وفي هذا الدرس نتناول مفهوم الإعجاز العلمي في السنة النبوية، وفوائد دراسته، وأمثلة من المعجزات العلمية في السنة النبوية المشرفة.
مفهوم الإعجاز العلمي في السنة؟
أن يقول رسول الله قولا يكشف فيه عن حقيقة أو حقائق لا يدركها أهل ذلك الزمان بوسائل التعلم البشرية العادية، ثم تثبت هذه الحقيقة العلمية مع تقدم العلوم التجريبية، بوسائل العلم الحديثة كما أخبر بها عليه الصلاة والسلام قبل أكثر من أربعة عشر قرناً تلك الحقيقة العلمية أو الحقائق يطلق عليها معجزة علمية لأنها فاقت مدارك الناس وقدراتهم العقلية في الزمن الذي قيلت فيه والبيئة التي ولدت فيها، ولا يمكن لأحد الوصول إلى إدراك حقيقتها بالوسائل البشرية العادية المتوفرة في ذلك الوقت.
تحقق الإعجاز العلمي في السنة النبوية؟
وردت أحاديث كثيرة أشارت إلى حقائق علمية تتعلق ببعض الأسرار الخفية والدقيقة عن الخلق والنشأة، وكيفية التخلق، ووصف بعض الأمراض وتعليل أسبابها والتحذير من مخاطرها، وهذه الحقائق غير متوافقة مع ما هو شائع في البيئة العربية من تراكمات معرفية في حينها، وبعيدة عن متناول مدارك الناس وفهومهم، وظلت هذه الحقائق التي أخبر بها الرسول قبل أربعة عشر قرنا لا تشد انتباه الناس كثيرا، حتى ظهرت وسائل العلم الحديثة فكشفت عن صدق ما قاله عليه الصلاة والسلام، وأكدته، فكان إبرازها في هذا العصر وثبوتها شاهداً جديداً على صدق الرسول، وصدق الرسالة، وبرهانا أكيدا على وجود المرسل وهو الله سبحانه وتعالى، وأصبح الإعجاز العلمي في السنة النبوية إضافة جديدة إلى علوم النبوة والرسالة المحمدية، ووسيلة من وسائل الدعوة إلى الله لتثبيت قلوب المؤمنين وهداية الجاحدين والمتشككين.
أهمية دراسة الإعجاز العلمي في السنة؟
تتجلى أهمية دراسة الإعجاز العلمي في السنة النبوية في أنه إضافة جديدة إلى علوم الإنسان ومعارفه وتتحدد الأهمية على وجه الخصوص فيما يأتي
۱ - يزود المسلم بنوعين من الثقافة الشرعية حيث يقف المسلم على خلفيات الحكم الشرعي، ولطائف الأخلاق الإسلامية، والتسامي الروحي والوجداني، والثقافة العلمية، حيث يقف المسلم على بعض أسرار الكون بتفسيرات بعيدة عن النزعة المادية التي تفسر نشأة الكون تفسيراً مادياً بعيداً عن الخالق جل وعلا، كما يتعرف أسرار مخلوقات الله وتوظيف ذلك لمصلحة المسلمين فيما يقوي إيمانهم ويستثير مكامن القوة الحضارية في مجتمعاتهم.
٢ - يستفيد المسلم وغير المسلم من هذه الدراسات، فالمسلم يقوى إيمانه ويزداد يقينه، وغير المسلم يثبت لديه أن الإسلام هو الحق، وأن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة مصدرهما الوحي المنزل على رسول الله من الله رب العالمين.
٣- دعوة للمسلم إلى بذل الجهد والعمل للتعمق في العلوم الدنيوية وفهمها، واعتبارها الوسيلة المثلى لتحقيق الخلافة في الأرض.
٤- تحصين الشباب المسلم من حملات التشكيك في القرآن الكريم والسنة التي يقودها المبشرون والمستشرقون وغيرهم لإخراج المسلمين من دينهم.
٥- أسلوب جديد للدخول إلى القلوب والعقول معاً من خلال ما تقدمه دراسات الإعجاز من إقناع عقلي ومسلمات علمية وخاصة عند الذين يؤمنون بالعلوم المادية وسيلة وحيدة للإقناع في عصر التقدم العلمي.
٦- يدخل الإعجاز العلمي للقرآن الكريم والسنة في مفهوم الحكمة في باب الدعوة إلى الإسلام، فقد أثبت الواقع تأثر كثير من غير المسلمين من المتخصصين في مجالات العلوم الدنيوية، فدخل عدد غير قليل منهم في الإسلام ونظراً لأهمية دراسة الإعجاز العلمي في السنة نورد فيما يلي نموذجاً من الدراسات العلمية التي أكدت صدق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، قبل عصر الاكتشافات العلمية بقرون.
أ. قال عليه الصلاة والسلام إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها، وخلق سمعها، وبصرها وجلدها، ولحمها وعظامها، ثم قال يا رب أذكر أم أنثى فيقضى الله ما يشاء ويكتب الملك نلاحظ في هذا الحديث أنه حدد ليلة معينة من عمر الجنين يدخل بعدها الملك فيشكل جسم الإنسان بأمر الله تعالى وهي ليلة اثنتين وأربعين ليلة فتظهر الصورة الآدمية، ويبدأ ظهور الأذن، وجهاز السمع وظهور العين وجهاز البصر، ثم يتكون الجلد الذي يحمي جسم الإنسان من الجراثيم والميكروبات، ثم تتكون العظام ثم تتشكل الأعضاء التناسلية إن هذه الحقيقة العلمية التي وردت في الحديث النبوي أكدتها البحوث التجريبية الحديثة، حيث أثبت كبار علماء الأجنة والوراثة في أمريكا بأن الجنين قبل اليوم الثاني والأربعين لا تكون صورة الوجه واضحة، وأن العين والأذن والأعضاء التناسلية لا تشبه أعضاء الإنسان قبل اليوم الأربعين، كما أثبت أحد علماء أمراض النساء والأجنة في كندا تكون الهيكل العظمي الغضروفي عند حوالي اليوم الثاني والأربعين من عمر الجنين وقد توقف علماء الأجنة والوراثة في أوروبا وكندا وأمريكا عند اليوم الثاني والأربعين في دراساتهم وأعطوه أهمية خاصة لظهور البدايات في تشكل الجنين وبروز شكله الآدمي وهكذا نجد التطابق جلياً بين ما أخبرنا به الحبيب المصطفى وبين معطيات العلوم الحديثة في تخصصات أمراض النساء وعلم الأجنة، وعلم الوراثة مما يجعل هذه المكتشفات العلمية الحديثة بينات جديدة على صدق النبي الخاتم محمد سيد المرسلين، وأن العلم الذي تلقاه وأخبرنا به وحي من الله تعالى ولعل مثل هذه الإشارات عن بعض الحقائق العلمية في السنة النبوية وما تتضمنه من إعجاز ليس موجها لأهل ذلك الزمان، فالعرب زمن البعثة النبوية لا يفقهون من أمر مثل هذه الحقائق شيئا، وكذلك الحال بالنسبة للروم وغيرهم، فالإعجاز إذن موجه إلى العلماء التطبيقيين في عصر الاكتشافات ليؤمنوا برسول الله ويصدقوه، ويذ بأن الذي قال هذا قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام رسول من عند الله حقاً.
ب. حدیث حرم على أمتي كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع أكد العالم البريطاني سليبنج في دراسات أجراها أن الشعوب اكلات لحوم الجوارح تصاب بنوع من الشراسة والميل للعنف ولو بدون سبب، وأن بعض الآدميين من أكلة لحوم الجوارح يصابون بالضراوة فيأكلون لحوم البشر، وأشارت الأبحاث إلى حدوث ظاهرة الفوضى الجنسية وانعدام الغيرة، وعدم احترام نظام الأسرة، ومسألة العرض والشرف عند هؤلاء الناس
جـ. حديث ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه توصل العلم الحديث إلى أن كثرة الأكل يؤدي إلى السمنة التي تعتبر خللا في التمثيل الغذائي وأشارت البحوث العلمية الحديثة إلى أهمية التوازن في تناول الطعام والشراب وهذا ما أشار إليه رسول الله في هذا الحديث وهو مصداق قوله تعالى { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } وقد كثرت الأبحاث في العصر الحديث التي تناولت وقاية الجهاز الهضمي، وأوردت عدداً من الأمراض التي يصاب بها الإنسان نتيجة عدم التوازن في الأكل فمن الذي علم الحبيب المصطفى هذه الأمور التي ما استطاع البشر معرفتها والوصول إليها بوسائل بحثهم وتجاربهم في العصر الحاضر، بينما أعلنها الرسول قبل أربعة عشر قرنا من الزمن، وما كان محمد إلا بشراً رسولاً، فما من إجابة إلا أن ذلك مما علمه ربه ، وأوحى به إليه خالق السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة وصدق الله القائل {وَعَلَمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا}.